آخر تحديث: 22 / 11 / 2019م - 6:43 م  بتوقيت مكة المكرمة

تشنج الساحة الفكرية

بلا شك أننا نعيش في مرحلة صعبة تتسم بتلبد غيوم الكراهية والتفرقة، وبلغت العلاقات بين الناس أقصى درجات الضعف والترهل بسبب الحساسيات التي ينفثها أصحاب الأقلام المأجورة، فأعمينا بصيرتنا عن الانفتاح على الآخر الذي نختلف معه في الجانب الثقافي والفكري، وتقوقعنا حول المؤتلف من الفكر الواحد، مما أجج من العصبيات والتلاسن العقائدي البعيد عن روح العلمية والحوار المنتج، فلم تعد النقاشات في لبها لطرح الآراء وتبادل الأفكار واستشراف الأطروحات المختلفة، وإنما هي اليوم حلبات مصارعة بغية تحقيق الانتصار الوهمي على المختلف معه، ووضعنا حواجز تمنع من الاقتراب من الآخر وكأنه منطقة محظورة قد تنفجر في وجهك إن تدانيت منها، واستعوضنا بدلا عن ذلك بالانغلاق الفكري في أضيف حدوده، وأصبح الجدار اليوم أعلى من سقف الآمال بالانفتاح الفكري الهادئ.

وفي إطلالة سريعة على ما نراه في التراشق الإلكتروني بين الأطراف المختلفة، نجد دائرة الشقاق والتباعد تزداد اتساعا، ولم يعد هناك من جواب لطرح الآخر سوى السباب والاستهزاء، ووصل الخطاب إلى مستوى التخوين والاتهامات والتزييف والفكر العاطفي البعيد عن البرهان العلمي والطرح المنطقي، فإلى أين نحن ذاهبون بساحتنا الفكرية؟

الخطاب المتشنج والذي يحمل مشاعر البغضاء بسبب اختلاف عقائدي دأبت عليه البشرية منذ بداية الخليقة، فلم تجتمع العقول على أبده الواضحات وهو وجود الله تعالى مع تمتع الاستدلال عليه ببراهين بعدد أنفاس البشر، فكيف يمكنها أن تجتمع على قضية أخرى، تتباين فيها وجهات النظر والرؤى؟

لقد وصل التوتر الطائفي إلى مستويات غير مسبوقة، وغدت لغة الكراهية والإقصاء سيدة الموقف، وتعالت أصوات النشاز الداعية لإلغاء الآخر بسبب الاختلاف معه، وكأن الأرض ضاقت على الجميع.

وما نحتاجه في هذه المرحلة الصعبة هو الدعوة الهادئة وعقلنة الأفكار والمنابر والخطابات وخلوها من شد العصبيات، ورشقها بالحمم المستعرة البعيدة - كل البعد - عن أي أساس متزن ومعتدل.

الانفتاح على الفكر الآخر هو العلامة البارزة للقوة والمتانة والتأسيس العلمي الرصين، والانغلاق ونبذ الآخر ينم عن الاهتزاز والضعف والتخوف من تلاشيه أمام التيارات المختلفة، فاليوم نحن أمام ساحة فكرية اشتبكت فيها العقول ومخزونها المعرفي والثقافي، فالتلاقح والتجاذب الفكري يكسر الجمود والانحباس والتقوقع في أضيق الحدود، فذلك ما يؤسس للتخلف والضحالة، ويغلب العواطف على العقول.

حفلات الجنون التي تؤسس لها المنابر والقنوات الطائفية تزيد من احتقان الساحة الفكرية، وتؤدي هذه الخطوات المتهورة والخطابات النارية إلى تفكك عرى العلاقات الإنسانية، ويكسر المنظومة القيمية التي تحفظ للإنسان حقوقه واحترامه، فهناك نتائج وتداعيات سلبية فصمت المجتمعات المكونة من تيارات وأطياف مختلفة وأصابتها بالتشظي والانقسام.

خلاصة: هذه المشكلة مع تضخمها لمستويات عالية، ولكنها ما زالت تحت قوة السيطرة، ويمكن تجاوز هذه المحنة الفتنوية من خلال بيان النتائج الكارثية التي تخلفها هذه الكميات الهائلة من الأحقاد والخلافات المتأججة، فلتنصب جهود العقلاء على تأسيس النادي الفكري الذي ينفتح على الآخر مهما كان هناك من تباين في الرؤى، ومعالجة الاختلاف في إطار الحوار الهادئ الذي يحترم الآخر ويتقبل وجود فكره وأطروحاته، فهذا ما يسهم في إطفاء الحرائق الطائفية، ويظل الجميع بالمحبة والوئام والتعايش.