آخر تحديث: 21 / 11 / 2019م - 9:56 م  بتوقيت مكة المكرمة

وصاية

الحرية الفكرية حق مكفول لكل فرد أن يمارسه فيما يتناوله من رؤى ووجهات نظر متعلقة بأبعاد الحباة المختلفة، وهذه وسائل التواصل المباشرة والتقنية تعج بتصورات متباينة، وهذه ليست بحالة تخلف وضعف بل هو وضع صحي جدا يسهم فيه الجميع بإناراتهم، ما دامت تتم في ميدان الحوار الهادئ البعيد عن التطاول والسباب والاستهزاء بالآخر.

وفي عملية التقييم والتداول لما هو مطروح في الساحة الثقافية والفكرية لا ينبغي توجيه سهاد النقد الجارح للشخص ذاته، بل توضع الفكرة تحت مجهر التناول المنطقي والعلمي لتقييم ما تحمله من رؤى، وللأسف فإن البعض يجد في التهجم على الشخصيات ضالته المنشودة، فلا يسلم أحد من تطاوله ومحاكمته للنوايا، فما يتناوله هو بحث فيما بين السطور وتوقعات واستهجان واستقراب عاطفي، وهذا ما جعل الأوساط الحوارية ملتهبة تلسع كل من يدخل تحت قبتها، حتى بات الكثير يتوقع النهايات المؤسفة والخصومات والتراشق الكلامي لكل حوار يطرح فكرة ما مهما بلغت ضآلة حجمها، فالهجوم الناري والقدح في الشخصيات أسلحة دمار شامل لا يتورع من استخدامها لإسكات الطرف الآخر.

ولنقترب كثيرا من الإطار النفسي لمن يصم الآخرين بالجهل والرجعية وضعف القدرات العقلية، لا لأجل تبيانه لخطأ ما يطرحون وتقويضه لأسسها العلمية، وإن كان هذا الوجه الذي يتلظى خلفه ويرفعه عاليا كلافتة إعلانية، والحقيقة المخفية في بواطن نفسه والبادية للحاذق الأريب هي النظرة الأوحدية التي يؤمن بها، فلا يمكنه تحمل رؤية من يخالفه الطرح ويتبنى وجهة نظر مخالفة لما يقوله، فلا يهتم للأسباب التي جعلتهم يتبنون هذه الرأي أو ذاك بقدر ما يغيظه منهم أن رآهم في ضفة أخرى وجهة مقابلة له!

هذه النفسية المتعالية والتي تقزم الغير، وتضعه في حجم النملة أمام فيليته الفكرية كما يعتقد، فيحرم نفسه من الاستئناس بعقول تحمل ميولا واتجاهات مختلفة قد تنير له أوجها خفية عنه، أو تسلط الضوء على قصور ونقص في العناصر المتكاملة للفكرة الأساسية، كما أن هذه النرجسية بعيدة - كل البعد - عن الواقع الذي يضعنا على أرض صلبة من التقييم والتناول العقلي بعد النقاش والبحث والتدقيق، أما الرفض المسبق للرأي المخالف فهو تبلد وخفة.

يريد أن يجعل من نفسه قبلة يمم نحوها كل من يطرح رأيا، فيستنطق ما يبديه ليسير من خلفه ضاربا بعرض الحائط كل ما يخالف آراء هذا الإنسان الذي لا يخطئ، فما يحلم به كثيرا أن يرى الناس كقطيع يسير من خلف أفكاره وهواه، فلا يحيدون عن المسار المحدد لهم بإطار استحسانه واستمزاجه.

وما لم يحصل على مراده ومبتغاه، فيتمسك الآخرون بالصوابية الفكرية لا العاطفية، فإنه يلجأ إلى وسيلة رخيصة وهي وسم أفعالهم وأقوالهم بالقبح، ويمزجها بالاستهجان والاستهزاء والتسفيه، ويصر على انتهاج التسقيط والانتقاد الجارح، فلا يمكنه أن يوفر أحدا من حديته وذمه ما دام خارجا عن إطار رضاه الوهمي، فسلطنته لا يدخلها من يخالفه ولو بنحو بسيط.