آخر تحديث: 18 / 11 / 2019م - 10:39 ص  بتوقيت مكة المكرمة

حمم تخمد أو تستعر

هل من الممكن أن ننعم بحياة خالية في أجوائها الاجتماعية من تلوث الخلافات والمشاكل التي تعصف بالحياة الزوجية ودائرة الأصدقاء فتضعضعها؟

الحقيقة أننا نحتاج إلى بلورة مفهوم واضح عن الأزمات التي تهز استقرار العلاقات المتنوعة، فطبيعة التباين في الأفكار والرؤى ستخلق منطقة تختلف فيها العقول وتعجز عن إيجاد زي فكري موحد، فمهما كانت نسبة الانسجام والتوافق في وجهات النظر والمنطلقات الفكرية والخلفيات الثقافية لكل إنسان، فإنها لن تصل إلى مستوى التطابق التام والشامل، بل سيكون هناك من الموارد ما يبرز لنا وجهتي رأي أو أكثر مختلفتين، وبالطبع هذا وضع صحي في مناخ التلاقح الفكري وتبادل الآراء والإسهامات.

كما أن منطلق الكثير من الخصومات والتشنجات في العلاقات مرده إلى انفلات الأعصاب وإصابتها بتوتر شديد يفقد الإنسان القدرة على التركيز واتخاذ المواقف المناسبة، فالتهور والكلمات الجارحة تصيب العلاقة حينئذ بالفتور والتهري حتى تصل للقطيعة.

في الحقيقة أن الكثير من المتاعب وسوء التفاهم والزعل نخلقه نحن بسبب تقديرنا الخاطئ لأسس العلاقات الناجحة، فهناك تعاليم وإرشادات اجتماعية تقوم على الاحترام وحفظ حقوق الآخر، وضبط إيقاع الانفعال لئلا تصل إلى درجة التهجم وتوجيه الألفاظ المسيئة، ولكنها - وللأسف - ثقافة مفقودة في أرض التطبيق والتعامل الأسري، فالبيت هو المهد الأول للطفل والذي يرى انفصامية بين الإرشاد الأسري وما بين سلوك الوالدين المخالف لذلك، فكم من الكلمات الممنوعة أخلاقيا يسمعها من فم والديه!

والأمر الآخر هو أن الاستقرار والهدوء النسبي في العلاقات هو منشأ الثقة المتبادلة والسعادة، ويستحق ذلك تجنب كل المنغصات السالبة للطمأنينة، وتجنب الدخول في حوارات متأججة تضع علاقاته تحت رحمة سكين التهور غير المحسوب العواقب، فلماذا نقحم أنفسنا في منازلات لن تأتي قطعا بما نحب، بل ستهب رياح الكراهية بما لا نرحب بقدومه، فهلا تجنبنا كل حوار بدأت أصوات التهجم والاساءة للآخر تعلو، وعملنا بمبدأ الوقاية بدل المعالجات التضميدية التي قد لا تصلح ما أفسده التراشق بينهما بكل ما يسيء للآخر، ولا يعيد مياه المحبة لمجراها.

والمعالجات الموضعية لأي مشكلة تواجهنا لا يمكن أن نلقى مسحة سحرية لإنهاء مفاعيلها في خطوة واحدة، فنحتاج لطولة البال وسعة الصدر ومتابعة الحل دونما ملل، كما أننا نحتاج إلى روية فكرية وتأمل متأن لنضع النقاط على الحروف، ونرتب الأفكار وفق ما تمليه علينا عقولنا ومشاورة العقلاء.

فالبعض يضع خطواته وحلوله تحت ضغوط نفسية وعاطفية سيئة لا توصله أي نتيجة إيجابية تذكر، فالتشوش يصيبه فكره وأعصابه المستفزة لا تخلق أجواء تهدئة وحلول، فالحلول الناجعة لا تهبط من السماء بل هي ممارسات فكرية متأنية.

ولحل المشاكل والأزمات أوقاتا وظروفا ملائمة يمكن من خلالها البدء في المعالجات، فالنفس إذا كانت مرهقة أو ازدحمت عليها المشاغل أو كانت مؤلمة من جرح عاطفي، لن تفلح في إعطاء مخارج مناسبة وتمهد لخريطة طريق يمكن البناء عليها.

وقد لا نبالغ بالقول أن تقادم الزمن ومرور الأيام يسهم في التخفيف من الآلام، فبعض الجراح العاطفية والمشاكل المستحكمة التي لما نصل فيها لحل مرضي، يمكن للأيام أن تنسي الأطراف المتخاصمة ما وقع بينهم من إهانات إن لم تستحكم الأحقاد والضغائن وتستنبت قلوبهم.