آخر تحديث: 16 / 6 / 2019م - 4:11 م  بتوقيت مكة المكرمة

معلقة عمرو بن كلثوم وذائقة الجواهري

حسين الخليفة

في مختاراته الشعرية الضخمة «جمهرة أشعار العرب» التي بلغت عشرة مجلدات، يسبح الجواهري ضد التيار، فيدخل قلمه إلى جوف الكعبة ليجعل من سن القلم مشرطاً يقطع به الخيط الذي عُلِّقت بواسطته قصيدة عمرو بن كلثوم، فيمنعها من شرف انتمائها إلى المعلقات.

القصيدة وفق ذائقة الجواهري ركيكة لا ترقى إلى متانة صويحباتها من القصائد السبع الطوال، بل لا ترقى إلى أدنى قصيدة قيلت في ذلك العصر.

قد أتفق مع الجواهري؛ لأني لا أراها تتمتع بالدفقة الشعورية التي تعكس روحية إنسان ذلك الزمان، ولا تشارك أدب ذلك العصر في النكهة الخاصة في الرؤية إلى الوجود وفي تدوين موجوداته وتماهيها معه.

إنها تعج بالمبالغات الفجة الساذجة التي تطفو على ساحل النص ولا تقوى على خلق الأعماق التي تأخذ المتلقي إلى ما يتوخاه ويتوقعه من طبيعة اللعبة الأدبية.

فكم نحتاج اليوم إلى ذائقة مرهفة في حسها جريئة في تفحّص الأحجار التي وضعت في صندوق من الذهب الإبريز، تأتي إليها تقلبها بفطنة وذكاء، لتكشف لنا عن غفلتنا الطويلة إزاء بعض الأحجار المزيفة التي تترست بجاراتها الأصيلة وجعلت من بريق الصندوق الذهبي يحول بيننا وبين تعرية زيفها واكتشاف حقيقتها.

ولعل اتجاهات في عصرنا الحاضر من قبيل «التيارات الأدبية المستعارة» التي نالت حظًّاً واسعاً من الدعم والترويج، تعد معادلاً موضوعياً للصندوق الذهبي، فكل ما يُحشر فيه سيكون براقاً لامعاً، ويكون النظر إلى موضع الصندوق لا إلى ما وضع فيه.

نحن نحتاج إلى ذائقة حاذقة تعرف كيف تسبح ضد تيارات صناديقنا الذهبية أو ضد بريقها الأخاذ، ذائقة تعرف كيف توقفنا على حقائق الأشياء الغائصة في أعماق صناديقنا، ذائقة تجعلنا نقف على حقائق الأحجار القابعة في الصندوق، فنعيها ونتعاطى معها وفق طبيعتها وهي داخل الصندوق، لا أن نفخر بأننا اكتشفنا زيف حجارة سقطت من الصندوق فظهر عريها حين أزيح عنها ستار بريقه اللامع.

وعلينا أن نسمو بذواتنا، فلا نكون «تغلبيين» نفخر بإحدى حجار صندوقنا الذهبي، فنغدو أهلاً لأن يُتمثل بنا كما تُمثِّل بلهو بني تغلب وانشغالهم عن تحقيق المجد الواقعي بمنظومة تصدر الجعجعة ولا تخلِّف الطحين، وذلك من خلال بيت غدا مثلاً سائراً يقول:

«ألهى بني تغلبٍ عن كلِّ مكرمةٍ

قصيدةٌ قالها عمرو بن كلثوم..!»

كما علينا ألا نقابل لهو بني تغلب بلهو يشاكس لهوهم، فنشاركهم في عزف سمفونية الملهاة.

إن من يعي الأمور، يعي حقائقها، ويبقى محتفظاً بجواهره الثمينة في صندوقه الذهبي، وفي الوقت نفسه يتخلص من ذرات الغبار ومن شظايا الأحجار التي قذفت بها رياح السموم الواردة التي تحاول أن تعبث ب «ديوان العرب»، فتمنع كل ما فيه من الدخول في صندوقها، لتحقيق غاية «وأد الأب الثقافي» وصولاً إلى «التجاوز» المفصَّل على ثوبها الرؤيوي الذي يخالف طريقة الجواهري في الرؤية والنقد المنطلقين من ذائقة أدبية عريقة وتجربة إبداعية عميقة.

رحم الله أبا فرات، فقد كان جواهرياً حاذقاً يعرف كيف يفتح صندوقنا الذهبي الكبير، وكيف يصنف الجواهر والأحجار ويضعها وفق قيمتها الذاتية في خانات جمهرته.