آخر تحديث: 18 / 11 / 2019م - 3:46 ص  بتوقيت مكة المكرمة

«21» الفردانية في التراث الديني

الدكتور توفيق السيف *

الواضح ان مفهوم الفردانية غائب في التراث الاسلامي القديم، وهذا الغياب يفسر غيابه في الادبيات المعاصرة ايضا.

هذا للمناسبة أحد الاسئلة التي ووجهت بها أكثر من مرة، وخلاصتها ان ميل التراث الاسلامي والثقافة العامة الموروثة الى ترجيح الجماعة، سببه ان التعاليم الاسلامية القديمة وسيرة المسلمين في الماضي كانت في نفس الاتجاه. ويستدل السائلون بهذا على ان الفردانية ليست شيئا محبذا في الاسلام.

أظن ان هذا الاستدلال - وهو ظرفي وليس متينا - يغفل الظرف التاريخي الذي وردت فيه التعاليم التي تحث على التزام الجماعة وتبجيلها. الظرف التاريخي للفكرة هو جزء من تكوينها ولا يصح اغفاله. ويهمني هنا ايضاح نقطتين ضروريتين:

الاولى: الآيات والاحاديث التي خاطبت المسلمين ككتلة، وتلك التي حثت على التزام الجماعة، جاءت جميعا في ظرف اقامة المدينة وبناء الامة. نعلم ان الاسلام بدأ كتيار متخارج عن المجتمع المكي، ثم انفصل عن ارضه حين هاجر المسلمون الى يثرب، ليقيموا اول مجتمع خاص بهم «مدينة». جاء المهاجرون افرادا من قبائل شتى وانماط حياة وثقافات وطبقات اجتماعية مختلفة. وهذه كلها تعزز الميل الطبيعي للفردانية السلبية، اي عدم الاندماج في المجتمع الجديد. كان هذا المجتمع الوليد مكلفا بالدفاع عن نفسه، وحمل الرسالة السماوية، وصولا الى اقامة الامة الكبيرة التي يطمح اليها الاسلام. من هنا كان الخطاب العام يركز على الجماعة والوحدة. وهذا شأن اي جماعة في المراحل الاولى من التشكل وصناعة القوة الذاتية. ونعرف ان هذا حصل في جميع التجارب البشرية المماثلة.

نحن اذن نتحدث عن ”خطاب“ خاص بمرحلة التأسيس، وهو خطاب يتسم عادة بأنه ثوري تغييري تحتل الجماعة فيه ذروة القيم. اما بعد تشكل الكيان بصورة نهائية واستقراره، فان الخطاب المناسب هو خطاب الظروف الطبيعية، الذي ينطوي - بالضرورة - على تمايزات في القيم والمبررات والاستهدافات.

الثانية: التعاليم الاسلامية ككل، وكذا سيرة المسلمين في حقبة التأسيس وما بعدها، توضح بجلاء ان التركيز على الجماعة، كان اشارة الى ترتيب القيم، وليس احلال قيمة محل أخرى. اعلاء شأن الجماعة لم يعن أبدا الغاء قيمة الفرد او حتى التقليل منها، بقدر ما يؤكد على الترتيب الظرفي المشار اليه. ولدينا العشرات من الحوادث التاريخية الموثقة، فضلا عن النصوص التي تؤكد على هذا المعنى.

بعبارة أخرى فان الجمع بين الادلة التي تدعم المسار الفرداني، وتلك التي تدعم المسار الجماعي، تؤكد بما لا يحتمل الشك، ان كلاهما كان حاضرا على الدوام، نظرية وتطبيقا. وعندئذ فان الحل المنطقي للتعارض يقتضي الترتيب او ربط كل مسار بظرفه الخاص.

هل ترى ان قراءة دينية جديدة يمكن ان تدعم فكرة الفردانية واستقلال الفرد؟

اعتقادي الشخصي ان روح الدين أقرب الى فكرة الفردانية، لكن باعتدال. وأذكر هنا رواية تنسب للامام علي بن أبي طالب، نصها ”كن في الناس ولا تكن معهم“. ومضمونها يشير لعلاقة تنفي انفعال الفرد بموقف الجماعة، لكن ليس الى حد اعتزالها. انها أقرب الى الموقف التفاعلي.

ولو تركنا جانبا اجتهادات الفقهاء والمتكلمين المتأثرة بظرفهم الاجتماعي، وركزنا على النص القرآني خاصة، فسوف نرى أنه يعلي قيمة الانسان الفرد. ونستطيع الدخول الى هذه المسألة من زاوية المسؤولية. في آيات مثل ”وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا * اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا * من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا - الاسراء 13 - 15“، والآية ”كل نفس بما كسبت رهينة - المدثر 38“. هذه الآيات ومثلها كثير، تؤكد مبدأ عقليا راسخا فحواه ان كل فرد يتحمل المسؤولية عن افعاله هو وليس أفعال الآخرين. وهذا محل اتفاق بين الفقهاء أيضا.

السؤال الآن: هل يمكن الاقرار بالمسؤولية الفردية دون اعتبار استقلال الفرد؟.

جوهر الفردانية هو استقلال الفرد، وكونه حرا كفؤا لكل أنداده، من حيث القيمة والحقوق والأهلية والمسؤولية. وبناء على هذا فهو قادر على اختيار طريقة عيشه وقناعاته الدينية والسياسية واهدافه وصناعة مستقبله. المجتمع المؤمن بهذه القيمة يضمن قانونه حقوق الفرد باعتباره فردا، ولا يقسره على فعل ما لا يريد، او التنازل عما يعتقد، او التضحية بأي شيء خارج إطار القانون العادل. تمتع الفرد بهذه الحقوق هو الذي يجعله مسؤولا مسؤولية تامة عن أفعاله.

فردية التكليف والمسؤولية لا يخالفها أحد من عامة الناس، فضلا عن طلاب الشريعة الاسلامية، فلماذا لا تنعكس على موقفهم من مبدأ الفردانية الشائع في الغرب؟

واقع الأمر ان التفكير الاسلامي المعاصر في القضايا الفلسفية، لازال ضيقا ولا يحظى باهتمام المجامع العلمية. وقد ذكرت هذه الملاحظة في حوار آخر. نضيف إليه ان مفهوم ”الفردانية“ مورد جدل شديد، لانها تشير - كما يرى الفلاسفة الأخلاقيون - الى أنوية او تبرر المنحى الأناني عند الأفراد وتعززه. بالنسبة للمفكرين المحافظين بشكل عام، فان الفردانية لا تضيف شيئا مهما لحياة الناس، وعدم قبولها لا يعني - عندهم - انكار حرية الفرد وحقوقه، بل إنكار كونه عالما مستقلا عن الجماعة.

من الضروري تفهم هذه التحفظات بغض النظر عن قبولها كليا او جزئيا او عدم قبولها أصلا. ثمة انشغالات وهموم متفاوتة بين الناس، وهناك بالتأكيد من تهمه الحياة الجمعية وصلابة الرابطة الاجتماعية، اكثر مما تهمه مطالب فرد أو بضعة أفراد. ترمز الفردانية - كما أشرت - الى الانسلاخ من سلطة الجماعة. وقد اقترن ظهورها كدعوة بثورة المثقفين على سلطة الكنيسة في القرن السابع عشر، واصرارهم على حرية الأفراد في التفكير والمعتقد، ونفي سلطة الدين او الجماعة او الدولة على عقل الفرد وقلبه.

أشير أيضا الى ان حديث روسو عن عقد اجتماعي بين افراد احرار يتشكل على ضوئه نظام اجتماعي وسلطة عليا منبثقة من المجتمع، تعني بشكل مباشر نفي سلطة الكنيسة على النظام الاجتماعي.

وجه فلاسفة معاصرون نقدا شديدا الى المفهوم الليبرالي التقليدي للفردانية. وقدم جون راولز نظرية مغايرة، تؤكد على قيمة الفرد واستقلاله، لكنها تعيد قدرا من التوازن الى علاقة الفرد بالجماعة. واصبحت رؤية راولز اليوم أساسا لتيار عريض في الفلسفة والسياسة، وهي تعرف بالجماعية او المجتمعية أو العدالوية.

لو أردنا تشخيص غياب الفردانية كمشكلة في مجتمعنا على وجه الخصوص، فكيف تفهم هذه المشكلة؟.

غياب الفردانية اشد ما يكون وضوحا في المجتمعات التقليدية، سيما تلك التي يغلب على سكانها الطابع الريفي، او يرجعون - ثقافيا - الى أصول ريفية. يتبنى هذا النوع من المجتمعات أعرافا ضيقة الأفق، تلغي الى حد كبير حرية الأفراد واستقلالهم. ويظهر ذلك في كل جانب من جوانب الحياة، بدء من الملابس حتى الوظيفة والفكرة والقناعات وطريقة العيش.

في مجتمعنا مثلا، يصعب على الفرد الجهر بموقف أو فكرة مغايرة للثقافة السائدة. يتبنى المجتمع الكثير من الافكار والمعتقدات الاسطورية، فاذا حاولت نقدها، انصبت عليك الاتهامات من كل صوب. لا تتوقع ان يناقشك أحد في الفكرة، ولا تتوقع ان يسألك أحد عن دليل يسند رأيك، فالجميع سيكون مشغولا بذم شخصك وكيل اتهامات من قبيل معاداة الدين، والانبهار بالغرب، وتعمد الاختلاف من أجل الشهرة، أو إثارة مسائل في غير وقتها خدمة لعدو ما، حقيقي أو متوهم.. الخ.

كتبت يوما عن مثل هذه الحالة، ما ملخصه ان الفرد في مثل هذا المجتمع، يتربى على أن المصالح العامة التي ينبغي رعايتها هي غالبا مصلحة غيره، سواء كانت مصلحة المجتمع نفسه، أو الامة التي هو جزء منها أو البلد الذي ينتمي إليه أو الطائفة أو القبيلة أو الحزب الخ. لكن ليس مصلحته الشخصية، ولا رأيه في تلك المصالح. لو اتفق أكثر الناس على رأي أو تصور للمصلحة المشتركة وخالفها فرد أو بضعة أفراد، فلن ينظر أحد في احتمال أن يكون رأي هذا الفرد أو ذاك، هو الصواب، ورأي الجماعة هو الخطأ. المعيار الوحيد لقبول الرأي أو رفضه، هو موقف الجماعة منه، بغض النظر عن محتواه.

يتوقف الفرد أحيانا عند هذه المعضلة، ويتساءل: لماذا يجب عليه أن يتبنى مصلحة غيره ويضحي بمصلحته الخاصة؟. ينصرف هذا السؤال إلى سؤال آخر أعمق، فحواه: لماذا أصبحت قيمتي كفرد، مرهونة بانتمائي للجماعة ومداهنتي لها واستسلامي لنظام حياتها؟

واقع الأمر أن مجتمعنا مثل سائر المجتمعات العربية، لا يعترف بوجود مستقل للفرد. تتحدد قيمة الفرد ومكانته والفرص المتاحة له، بناء على وصفه العائلي أو السياسي أو الاجتماعي، وليس كفاءته الشخصية. سؤال ”وش ترجع“، أي: إلى أي اطار اجتماعي تنتمي، يلخص هذه الحقيقة.

استسلام الفرد لهذا الواقع يثمر عن قيام عالمين: عالم ثقيل على نفسه، يعيشه حين يكون وسط الناس، وعالم محبوب يعيشه حين يغلق باب داره، أو حين يسافر خارج بلده. كل منا يعيش حياة مزدوجة كهذه، وكل منا يشعر بثقلها على نفسه، سيما حين يجرب السفر خارج البلد، أي حين يتحرر من رقابة المجتمع. فهل نريد المحافظة على هذه الحياة الثقيلة؟ وهل نريد توريثها لأبنائنا؟.

ما الذي نريد اذن، هل نريد اعلاء فردانية الفرد وتسفيه سلطة الجماعة؟

اظننا بحاجة الى تطوير نموذج نظري عن رابطة اجتماعية تحفظ حدا معينا من التكافل ووحدة المسار. لكنها - في الوقت ذاته - لا تقيد عقل الافراد وحركتهم. كما اننا بحاجة لاعادة صوغ موقع العائلة وعلاقة الافراد بالعائلة على نحو يجعلها تفاعلية قابلة للاستجابة للتحولات في حياة اعضاء العائلة ومحيطها. لا ينبغي ان تتحول التربية العائلية، وعلاقة الاباء بالابناء الى عملية قولبة وتلقين قسري، لأن هذا سينتج في نهاية المطاف هوة ثقافية، تشير الى الفارق بين عصرين، وهي في ظني ابرز محركات صراع الاجيال.

لا ينبغي ان نرى ثقافة الجماعة الدينية معيارا للحكم على استقلال الفرد. هيمنة الموروث القديم على هذه الثقافة تقود بالضرورة الى استعمال القيم الدينية كمبرر لنفي استقلال الفرد وكينونته لصالح الجماعة. هذا لا يعني مطلقا ان الدين يذهب الى هذا المنحى. البديل الصحيح هو تطوير نموذج ديني غير متعصب، نموذج كوني يقوم على الايمان بقابلية الفرد للانسجام مع النظام الكوني كله، مع البشر جميعا، وليس فقط مع الجماعة التي ولد فيها او التي ينتمي اليها. المبالغة في التركيز على انتماء الفرد للجماعة القريبة ربما يقود الى التعصب في شتى تجلياته.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
أ. جهاد العلي
[ القارة ]: 22 / 2 / 2016م - 3:01 م
احسنت أجدت وأفدت جعلك الله من المتبعين المخلصين للزهراء وأبيها وبعلها وبنيها
باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.