آخر تحديث: 22 / 11 / 2019م - 10:45 م  بتوقيت مكة المكرمة

«22» الهوية الفردانية

الدكتور توفيق السيف *

في مقالك المعنون ”الحداثة كمحرك للتشدد“ المنشور في ديسمبر 2015، اعتبرت التعصب الديني تجليا لهوية فردانية. هذا يبدو متعارضا مع الفكرة السابقة.

صحيح. يتحدث هذا المقال عن واحدة من نتائج الهوة الثقافية التي أشرت اليها في السؤال السابق. وقد نقلت فكرة العلاقة بين التشدد والفردانية من المفكر الفرنسي المعاصر مارسيل غوشيه. نعلم ان التربية بالتلقين والقولبة القسرية تستهدف جعل الجيل الجديد نسخة عن الجيل السابق. لكنها لا تنجح دائما. فشل القولبة والتلقين يؤدي الى تبلور ذهنية متمردة، تبحث عن الذات في مسارات متخارجة عن التيار الجمعي. وهذا ما يستثمره دعاة التمرد على الواقع، سواء كانوا مجوعات تستهدف اصلاح الواقع الاجتماعي - السياسي او مجموعات اجرامية.

خطاب التنظيمات الاسلامية الحديثة ليس حديثا في المضمون. فمعظمه اعادة انتاج الثقافة السائدة، ولكن في اتجاه مضاد، أو على الأقل متخارج. تتبنى الجماعات الدينية نفس المفاهيم التي يؤمن بها المجتمع، لكنها تستعمل اصول الفكرة في الحكم على المجتمع والسعي لتسخيره وارغامه. واظن ان تقبل الشباب لهذا الخيار، رغم انه يبدو عفويا وتدريجيا وليس بالضرورة واعيا، هو - بصورة من الصور - رد على محاولة الارغام والقولبة القسرية التي قام بها المجتمع في وقت سابق. وذكرت في ذلك المقال ان سعي الفرد لتشكيل هوية مستقلة عن المجتمع، سيقوده غالبا الى التعصب، لأن عملية التشكيل انطلقت من حالة صراع مع المجتمع أو تمرد عليه. وهذا يكشف أيضا أحد تجليات صراع الأجيال.

هل هناك علاقة بين التربية الدينية والقولبة والتمرد الذي يقود الى التعصب؟

يفترض - من الناحية النظرية على الاقل - ان التربية الدينية، لا تستهدف أكثر من تعويد الجيل الجديد على مقتضيات الايمان وتمظهراته. لكن هذا - في ظروفنا الحالية خصوصا - ليس طريقا مفتوحا. الاباء لا يعلمون ابناءهم كيف يختارون، والمجتمع لا يتيح خيارات دينية عديدة أو صورا متعددة عن الايمان، بل يكتفي بنقل تصوره الخاص الى الجيل الجديد. وهو تصور مشوب - بالضرورة - باعراض التجربة الاجتماعية الخاصة، بما فيها المذهب والتقاليد ورؤية العالم ومفهوم العدو والصديق.

ولأن معظم المجتمعات المسلمة يعيش حالة توتر داخلي، سببه الاول هو الصراع مع الحضارة الغربية، والشعور بالفشل في منافستها او التحرر من الحاجة اليها، فان صورة الدين التي تنتقل الى الجيل الجديد، هي ذات الصورة المحملة بتلك الأعراض. التعصب هو واحد من ردود الفعل الواعية او العفوية على عجز الفرد عن التكيف مع العالم المتغير المحيط به. والتوتر المشار اليه هو الظرف الذي ينعكس فيه الجدل حول التكيف او المشاركة او القطيعة او المنازعة. من هنا استطيع القول انه ليس كل تربية دينية تؤدي الى التعصب، وليس كل تمرد على الواقع يتمظهر في شكل تعصب. لكن بعضها يقود اليه بالتاكيد.

يبدو ان الانقسام المذهبي بات ابرز محركات التعصب في السنوات الاخيرة. المذاهب الاسلامية كلها تميل الى التنميط

هذا صحيح. الاسلام لم يعد واحدا، ليس فهما واحدا ولا صورة واحدة ولا رؤية واحدة للعالم. الاختلاف المذهبي تحول الى تمايز اثني واجتماعي وسياسي. هذا واقع قائم ولا يمكن تجاوزه او القفز عليه. بالنسبة لشريحة واسعة من المسلمين، سيما في الشرق الاوسط أمست الهوية الدينية مترابطة مع الانتماء السياسي او الموقف السياسي. فيما مضى كان المسلم يصف نفسه كمسلم فحسب، اجد اليوم ان كثيرا من الناس يهتمون باضافة الوصف المذهبي أيضا. ولا ارى سببا لهذا سوى التفارق السياسي بين مجتمعات المسلمين وتحول هذا التفارق الى مبرر او محرك للتنازع. هذا الواقع القائم يسهل قبول التعصب وتطبيعه بين مختلف الاتجاهات في داخل الجماعة المذهبية الواحدة، او من قبل الجماعة تجاه الجماعات الاخرى.

بالنسبة للتنميط فله مسار آخر، وهو من السلوكيات الطبيعية التي تقوم بها كل المجتمعات، لكنها تتخذ اتجاها سلبيا مع تفاقم النزاعات السياسية. التنميط عملية ذهنية هدفها تبسيط العلاقة بين الذات والآخر وتحديد المسافة بينهما. وهي تحصل عادة على مستوى جمعي. حيث تقوم الجماعة بصورة واعية او عفوية بتشكيل صورة نهائية عن ذاتها، وصورة أخرى عن كل واحد من الأغيار، هذه الصورة تتحول الى معيار لفهم الاخرين والحكم عليهم، اي تحديد المسافة بين الذات والآخر. العربي يشكل صورة ذهنية عن الاوربي والهندي والامريكي يشكل صورة عن الروسي والياباني.. الخ.

في السنوات الأخيرة لاحظنا تفاقم الدعوة الى التمايز داخل المحيط الاسلامي. وهي دعوة تتضمن احياء او تعديل صور نمطية قديمة، او تصنيع صور نمطية جديدة، في كل جماعة تجاه الجماعات الاخرى. والمؤسف انها في الغالب صور سلبية. لعل اسوأ ما في التنميط انه يبطيء الوعي بالعالم او يشوهه، ويجعل من العسير فهم الواقع الذي تعيش فيه، وهو واقع ذو طبيعة تعددية، لا تستطيع فهمها ان استسلمت للصور النمطية التي رسمتها الجماعة عن غيرها.

بالعودة الى مقالك المذكور. اشرت الى ان التدين في كلا الحالين: الكوني والطائفي، يعبر عن ميول ”فردانية“ تتجلى في اختيار هوية فردية متخارجة نوعا من عن التيار العام. واعتبرت هذا دليلا على نفوذ الحداثة، فلماذا نعتبر احدى الهويتين جيدة دون الثانية؟.

الهوية بذاتها ليست امر سيئا أو حسنا. الهوية مجرد وصف لتصور الانسان لذاته وعلاقته بالعالم، وهي بالضرورة مركبة وتعددية. لا يوجد شخص في العالم كله يحمل هوية أحادية أو صافية. المشكلة اذن لا تتعلق بالهوية بذاتها، بل بتحولها الى عنوان للتعصب ضد سكان الكوكب الاخرين. دعنا نأخذ مثال الكوكلوكس كلان في الولايات المتحدة الامريكية، وهي تمثل نموذجا فاقعا لاستعلاء الفرد وتضخم ذاته. تنطلق هذه الجماعة من مبدأ معلن فحواه ان العرق الأبيض - ذا الاصل الأوربي خاصة - ارفع طبيعيا وتكوينيا من الأعراق الأخرى. وانه لهذا السبب يستحق ان يستأثر بالارض وما فيها من ثروة. تعتقد هذه الجماعة ان ارض امريكا الشمالية ليست مشاعا للبشر بل لابناء ذلك العرق بالذات، وان على الاخرين ان يخضعوا لهم او يرحلوا عن ارضهم. دعنا نتصور ان فردا ما قرر الانضمام الى هذه الجماعة او جماعة مماثلة، اي قرر اكتساب هذه الهوية. فكيف سنصفه؟. هل سنصفه كفرد طبيعي مثل بقية الناس او كفرد طاغية او ساع الى الطغيان. بكلمة اخرى فان قرار هذا الفرد بحمل هوية الكوكلوكس كلان يشير الى ميول عدوانية سابقة، انكشفت مع قراره بحمل تلك الهوية.

هناك بالطبع أمثلة اقل تطرفا. وقد تحتمل التداخل بين العدواني وغير العدواني. وكان المقصود من حديثي هناك هو الاشارة الى الهويات التي يختارها الفرد بخلفية عدوانية، اي يختارها لانها تسمح بتأطير أو تبرير ميوله العدوانية. الفصل بين محتوى الهوية والميول الفردية المسبقة، يسمح بفهم الطبيعة المزدوجة للهويات التي تنطوي على مضمون تعددي، قد يستخدمه فريق من حامليها كمبرر للعدوان على شركائهم فيها، فضلا عن غيرهم، كما هو حال الجماعات الدينية التي تكفر مؤمنين آخرين يخالفونها في مواقف سياسية او اجتهادات دينية.

ليس كل الهويات الانكماشية او الطائفية تحمل مضمونا عدوانيا بهذا الوضوح. لكن يمكن القول بشكل عام ان اختيار الفرد لهويته او سعيه الى هوية خاصة قد يكون مدفوعا برغبته في مشاركة البشر عموما في عمران الارض، وقد يكون مدفوعا برغبته في الاستئثار او حتى السيطرة على الغير واستثمارهم او استعبادهم. وبين هذين الحدين ستجد الوانا من الهويات والميول.

دعنا اذن نضع خطا مستقيما في طرفه الاقصى هوية استعلاء وفي الطرف الثاني هوية مشاركة. دعنا نفترض ان الفرد يقف عند نقطة في وسط الخط تماما. فاذا تحرك باتجاه هذا الطرف فانه يكشف عن ميوله الداخلية ولنقل الانفصالية وصولا الى العدوانية، واذا تحرك باتجاه الطرف الثاني فهو يكشف عن ميوله التفاعلية والتشاركية مع الغير وصولا الى الهوية الكونية، التي تجعله متحررا من كل قيد يشده الى جماعة صغرى أو هوية أدنى من الكونية.

في نهاية المطاف فان الفردانية قد تبرر التفرد، وهذا كان سببا لمصائب كبيرة. اقلها الاستبداد.

لاعلاقة للاستبداد بالفردانية. بل هو منسوب الى الانانية والتاله. لعلك تذكر مقالة فرعون لقومه التي نقلها القرآن الكريم ”وقال فرعون يا ايها الملا ما علمت لكم من اله غيري - القصص - 38“، ”ونادى فرعون في قومه قال يا قوم اليس لي ملك مصر وهذه الانهار تجري من تحتي افلا تبصرون - الزخرف - 51“.

حين يكون الفرد رئيسا للدولة ويتخذ قرارا منفردا، فان هذا لا يعبر عن الفردانية، بل يعبر عن ميل داخلي للاسئثار والعدوان على الغير، لان الرئيس في هذه الحالة يدير جهازا يملكه اخرون، وعليه ان يتبع رايهم ويخدم مصالحهم، بحسب النظام الذي يسمح بمشاركة اصحاب الملك «المواطنين». الدولة ملك مشترك، مثل سائر الاملاك المشتركة العادية. ولا يستطيع احد ان يبرر تحكم فرد في املاك غيره بحجة استقلال الفرد او قيمة الفردانية، والا اصبح العالم غابة.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.