آخر تحديث: 22 / 11 / 2019م - 6:43 م  بتوقيت مكة المكرمة

«23» شيء من سيرة ثقافية

الدكتور توفيق السيف *

من سالف الأزمان كانت علاقة المثقف بالسلطة علاقة شائكة، فهو إما متمرد عليها رافض لها، مما يعرضه للقمع، وإما مدجن طوعا أو قسرا.. هل دجن توفيق السيف؟

أجاب على هذا السؤال شاعر قديم:

وكل يدعي وصلا بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا.

الناس ترغب في السلطة وترغب في الاقتراب من أهل السلطة. وقد اعتاد الناس على اتهام من لا يحبونه من أهل العلم ورجال السياسة بالتملق للسلطان. والذي أرى ان جدلية اقتراب المثقف أو ابتعاده عن السلطة تدور أساسا حول إمكانية المحافظة على استقلال الرأي وحرية التفكير والتعبير. إذا قدرت على حفظ حريتك واستقلال رأيك، فالبعد والقرب سواء. أما الحكم بان فلانا دجن أو لم يدجن، فهو انطباع شخصي متروك للقراء وعامة الناس، وعلينا أن نحترم رأيهم.

هذا من حيث المبدأ. اما على ارض الواقع، فالسياسة محرك جبار للرأي العام وهموم الناس. اني اجد معظم الناس، مثقفيهم وعامتهم، حتى كبار اهل الرأي والعلم مشغولا بقضايا أو منساقا الى مواقف، لا لسبب الا لأنها فرضت على المشهد كقضايا عامة، أو ربما قضايا اجماع وطني. ولهذا يجد الانسان نفسه مسوقا، ربما باضطرار واع أو غير واع، الى تبنيها حتى لو كانت تتعارض، في كلياتها أو في بعض تفاصيلها، مع قناعاته الاصلية. المجتمع يقهر صاحب العلم على اتخاذ مواقف أو اعلان آراء، والسلطة كذلك.

دعنا نأخذ مثلا بالحرب على الارهاب التي ابتليت بها بلادنا وكثير من بلاد العالم. في بلادنا مثلا قررت الدولة منذ 1995 ان اعضاء القاعدة الذين يمارسون الارهاب فئة ضالة، وانهم مجرد أدوات لقوى خارج البلد، وان معالجة الظاهرة ستكون قصرا على الوسائل الأمنية. تبعا لذلك قامت الصحافة والتلفزيون بحملة واسعة النطاق لاقناع الرأي العام بهذه الأوصاف، وشارك فيها خطباء المساجد والمتحدثون في الشأن الديني.

في هذا الظرف توصل بعض الاشخاص، وأنا واحد منهم، الى ان مشكلة الارهاب ليست محصورة في قلة من الأفراد ضلوا الطريق. الاتجاه للعنف والحاقه بالدين يشكل - حسب رأي أولئك الاشخاص - انعكاسا لظرف اجتماعي متأزم، وهو احد النواتج الجانبية للتحولات التي تمر بها البلد على المستوى الاقتصادي والسياسي. ومن هنا فاننا لا نواجه جماعة صغيرة اعتزلت المجتمع أو ضلت الطريق، بل عملا منظما قابلا للتوسع واجتذاب المزيد من الطاقات البشرية. ولهذا نادى اصحاب هذا الرأي بعدم الاقتصار على المعالجات الامنية.

مثل هذا الرأي الذي لم يكن خطرا ولا شديد التأثير، ووجه باستغراب أولا ثم تخوين لقائليه أو تسفيه لمجمل ارائهم. ونعلم ان السبب الوحيد هو اقتناع الرأي العام «وهو اقتناع مصنوع في رايي» بان المشكلة يمكن حلها نهائيا بسجن بضعة افراد واعدام بضعة افراد آخرين.

كنت قد عرضت رأيي بهذا الخصوص في حديث تلفزيوني ضمن برنامج ”النادي السياسي“ الذي كان يقدمه الصديق د. نبيل ياسين على شبكة الاخبار العربية ANN من لندن، فرد عليه احد الزملاء، ولعله الاستاذ صالح الشيحي، بمقالة في صحيفة الوطن عنوانها ”ماذا يريد توفيق السيف“. وقال فيها ما مضمونه ان صاحب ذلك الرأي لا يعرف المشكلة ولا يحسن تقدير أبعادها، وان رأيه ينطوي على دعوة للتساهل مع القتلة، الخ.

أعرف العديد من اهل العلم الذين كانوا يرون آراء من هذا النوع، تتعارض مع الرأي العام أو مع التوجه الرسمي. لكنهم اختاروا السكوت أو قول أشياء تتناسب مع المطلوب أو المفروض في المجال العام، كي لا يجدوا انفسهم خارج السرب أو هدفا للاستعداء. هناك من يطالب اهل الرأي بأن يكونوا فدائيين مستعدين للموت من اجل كلمة. وهذا تطلع طيب ومثالي، لكني اشك ان معظمنا مستعد لهذا اذا وضع على المحك. البديل الصحيح هو ان نعيش ونمارس حريتنا، وليس ان نكون احرارا كي نموت. نحن اذن نتحدث عن قابلية النظام الاجتماعي للتسامح وقبول الاختلاف والتعددية في الرأي والموقف، و- بشكل اجمالي - حرية التفكير وحرية التعبير.

لعل الاعتقاد الشائع بأن كثيرا من المثقفين وأصحاب الأقلام مدجنون، مصدره قناعة القراء وعامة الناس بأن ما ينشر في الصحافة المحلية لا يعبر حقيقة عن توجهات الكتاب، بل عن توجهات الدولة، أو ربما لأنهم لا يتحدثون كثيرا عن هموم المجتمع، أو لا يمارسون نقدا صريحا لمن يستحق النقد. هل ترى هذا الانطباع صحيحا؟.

ان كنت تسأل عن حرية الصحافة بالمعنى المعروف في العالم، فهي غير موجودة. هناك هامش للنقد، لكنه غير محصن بالقانون. ربما تكتب شيئا اليوم فلا يسألك أحد، وتكتب اقل منه غدا فتمنع من الكتابة أو يمنع توزيع الصحيفة أو يعزل رئيس التحرير. ولعلك تذكر ان ثلاثة من رؤساء تحرير جريدة ”الوطن“ عزلوا خلال خمس سنين بسبب كتابات اعتبرتها بعض الجهات غير مرضية. ومثلها جريدة ”الشرق“، والاثنتان احدث الوافدين الى ميدان الصحافة السعودية، وأكثرهما اهتماما بالآراء الجديدة والتعبيرات غير التقليدية.

وان كنت تسأل عن وجود التملق لأصحاب الشأن وذوي النفوذ، فهي ظاهرة شائعة في الصحافة المحلية، بعض أسبابها يرجع للصحف نفسها، مثل ضعف الكادر التحريري. كثير من الصحافيين لا يميز بين ما يعتبر تقريرا عن واقع، وما هو دعاية سمجة لشخص مدير أو وزير أو أمير. وبعضهم يتعمد هذا سعيا وراء مكاسب شخصية، وبعضهم مطالب من قبل رؤسائه بالكتابة عن فلان وفلان. وأذكر ان صحيفة محلية منعت أي نقد للخطوط الجوية السعودية، بعدما هددت الشركة بحجب اعلاناتها عن الصحيفة. وكانت الصحف في الماضي تتجنب أي نقد لشركة أرامكو لنفس السبب أو لغيره.

ليس من الانصاف اذن محاسبة الكتاب. الصحيح هو المطالبة باقرار حرية التعبير كحق لجميع الناس يضمنه القانون. عندئذ سنستطيع التمييز بين كاتب يستعمل منبره لنشر المعرفة، وكانت يستعمله للعلاقات العامة والمصالح الشخصية.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.