آخر تحديث: 21 / 11 / 2019م - 9:56 م  بتوقيت مكة المكرمة

«28» اللغة والانفتاح

الدكتور توفيق السيف *

كأنك تقول انه لا يمكن النظر الى المسألة خارج اطار الجدل حول العلاقة مع الغرب.

صحيح. انطلق هذا الجدل في هذا السياق، ولا يزال كذلك. وهو جدل قليل الفائدة في ظني. بل لعله كان مضرا في معظم الاحيان. لا يمكن لنا ان نعيش من دون تفاعل مع العالم، ومن دون استفادة قليلة أو كثيرة من منتجات الحضارة. سواء كنا متاخرين كما هو حالنا اليوم، أو كنا متقدمين، فلن يمكن لنا الاستغناء عن منتجات الاخرين المادية والمعرفية. طبيعة الحياة تابى ذلك.

في الماضي كما في الحاضر، تتفاعل الامم مع بعضها وتتقدم. لولا الاسواق الامريكية لما تحولت اليابان وكوريا واخيرا الصين، الى دول مزدهرة اقتصاديا ومتقدمة تكنولوجيا. ولولا هجرة العلماء والشباب المبدعين من اسيا واوربا لما قادت الولايات المتحدة الثورة التقنية المعاصرة في العالم. نعرف اليوم ان اللغة الانكليزية هي اغنى لغات العالم في الانتاج العلمي والابداعي، لكن لو تتبعت من يكتبون بهذه اللغة، لوجدت ان اكثرهم جاء من مجتمعات لا تتحدث الانكليزية. لو تبنت المجتمعات الانكلو ساكسونية القيود التي يتحدث عنها دعاة الاصالة والتاصيل، لما زاد الانتاج العلمي بلغتهم عن مثيله في لغة البشتون أو التيغر.

الذين يدعون الى التشدد في الاخذ بما عند الاخرين من معارف، يضعوننا امام خيار عقيم، فحواه ان نقبل بالتخلف كي نحافظ على ايماننا واخلاقنا. لكننا نعرف بالعقل البسيط ان الايمان الذي ينهار بسبب زيادة العلم ليس الا عباءة خلقة، وليس هو ذات الايمان الذي عبر عنه القران بالكلمة الطيبة التي اصلها ثابت وفرعها في السماء. وتكفينا تجربة العقود الماضية التي مرت علينا ونحن نحارب طواحين الهواء، التي نسميها احيانا بالغزو الفكري، ونسميها احيانا اخرى العولمة، أو ما شئنا من الاسماء التي تلعب كلها دور الجدار الذي يحجب عن اعيننا حقيقة ذاتنا المثقلة باعباء الخرافة والتبرير والخوف من المكابدة والاكتشاف.

فيما يخص الانتاج العلمي باللغة الانكليزية، وانفتاحها على العالم. ثمة جدل واسع، سيما في بلدان الخليج حول اتخاذ الانكليزية لغة اساسية في التعليم الجامعي. هل ترى ان هذا سيقربنا من انتاج العلم؟.

هذا من نوع الاسئلة الخاطئة التي لا يمكن العثور على جواب صحيح لها. من حيث المبدأ لا يرتبط التعليم الجامعي في دول الخليج بأي استراتيجية وطنية لتطويرالعلم أو توطين الانتاج العلمي. الذين يدعون الى التركيز على اللغة الانكليزية، يبررون ذلك بانها لغة العلوم الحديثة، وانه من الافضل لخريجي الجامعات ان يكونوا منفتحين على هذا العالم كي يحسنوا أداء الوظائف التي يتقلدونها. الغرض من هذه الدعوة اذن هي ما يسمى اليوم بجعل مخرجات التعليم متوافقة مع متطلبات سوق العمل.

النقطة الثانية: ان فارق اللغة قد يعتبر - عند بعض الناس - معيقا للتواصل والتفاعل العلمي الضروري لانتاج العلم وتوطينه. لكنه بالتأكيد ليس المشكلة الكبرى. وقد رأينا دولا مثل الصين وروسيا على سبيل المثال، ضربت شوطا بعيدا في توطين العلم وانتاجه، رغم ان عدد من يجيد اللغات الاجنبية ضئيل نسبيا. كذلك الحال في اليابان في الفترة السابقة لنهاية الحرب الكونية الثانية. زبدة القول ان انتشار اللغات الاجنبية مفيد جدا وقد يصل الى حد الضرورة. لكن عدمه لا يعيق التحول الى مجتمع منتج للعلم، كما ان الانتشار لا يؤدي - أوتوماتيكيا - الى ذلك. كي نتحول الى مجتمع منتج للعلم، فاننا بحاجة الى استراتيجية وطنية أو قومية تستهدف خلق تيار عريض يدور حول هذه الغاية ويسعى اليها. وهو يقتضي تخصيص الكثير من المال، وتصحيح سلم القيم على نحو يجعل لأهل العلم مكانة رفيعة في المجتمع، كما يجب اقرار حرية التفكير والتعبير والنشر في اقصى مستوياتها وأبعادها، واخيرا ربط الاعمال الرسمية والنشاطات الاجتماعية بالبحث العلمي، على نحو يحول العلم الى جزء لا يتجزأ من الحياة اليومية للمجتمع والنشاط اليومي للدولة والسوق.

أعود الى موقع اللغة من هذا الحراك المطلوب. حيث أرى ان النهوض العلمي بحاجة الى اعادة الاعتبار للمجتمع كوعاء للعلم. بمعنى تشجيع الناس جميعا على التعاطي والتفاعل مع النشاطات العلمية وما يتعلق بها من تعبيرات وأدوار وحاجات ومنتجات. حين يصبح المجتمع حاضنا للعلم، فسوف ندخل الظرف الذي يمكن وصفه بالعصر العلمي. اذا كنا نفكر بهذا الاتجاه سيواجهنا سؤال بديهي: هل يمكن لمجتمع ان يشارك في علم بلغة غير لغته، أو ينتج علما بلغة غير لغته؟. جوابي على هذا ان العلم وانتاج العلم جزء من النشاطات الثقافية، مثل الفولكلور والفن وما اشبهه، وهو غير ممكن الا بلغة الثقافة المحلية. بعبارة اخرى فان المجتمع يعبر عن ثقافته بلغته فقط، وهو لا يستطيع التعبير عنها بلغات أخرى. فاذا اعتبرنا التداول العلمي جزء من الحياة الثقافية، فان حيويته مشروطة بقابلية المجتمع للتعبير عنه بلغته الخاصة.

ومن هنا فاني اظن ان ما نحتاجه ليس فقط تشجيع طلابنا على تعلم اللغات الاجنبية، بل الاهتمام المكثف بالترجمة ونقل كل ما يمكن من الادبيات الخاصة بالعلوم في اللغات الاجنبية الى اللغة العربية، اضافة الى جعل التعليم الجامعي باللغة العربية، بما فيه تعليم العلوم كالطب والهندسة وامثالهما.

قد تكون الترجمة حلا جيدا، لكننا نتحدث عن مئات الالاف من الكتب والمقالات العلمية، وهذا يتطلب زمنا طويلا وجهودا واسعة جدا. اقصد ان هذا الاقتراح قد يبدو حلا طيبا لكنه مستحيل التحقيق.

قد يبدو حلا عسيرا لأننا أهملناه لعقود. لو بدأنا بمشروع كهذا في منتصف القرن العشرين لتحولت اللغة العربية الى لغة علم، وما كنا بحاجة للنقاش في المسألة اليوم. على أي حال فان عسر الفكرة مؤقت، يعني اننا قد نواجهه لمدة عشرين أو ثلاثين عاما، وبعدها تصبح كافة المراجع العلمية متوفرة باللغة العربية، وستجد كتابا من أمم مختلفة يكتبون باللغة العربية، وستقتصر الحاجة للترجمة على الجديد والمتميز، وفي اطار التفاعل الاعتيادي بين النخب العلمية، وليس عملا استثنائيا كما هو المطلوب اليوم. والمثال الذي يحضرني الان هو انتاج العلوم المرتبطة بالدين، حيث نلاحظ ان جانبا مهما من الانتاج العلمي في هذا المجال يكتب باللغة العربية، ومن ضمنه انتاج علماء الدين غير العرب. ذلك لأن العربية هي لغة العلوم الدينية الرئيسية. لو كررنا التجربة مع بقية العلوم، فسوف نكون مثل المانيا والصين وروسيا واليابان وأمثالها، التي تنتج العلم وتشارك في الحركة العلمية على مستوى العالم بلغاتها الخاصة.

زبدة القول ان الدعوة لحركة ترجمة واسعة هو عمل مرحلي، يستهدف جعل العلم متوفرا للجميع، كي يصبح المجتمع كله منفتحا على العلم الحديث وحاضنا له ومن ثم مشاركا فيه.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.