آخر تحديث: 18 / 11 / 2019م - 3:46 ص  بتوقيت مكة المكرمة

«29» التحدي الخارجي كمحرك لنقد الذات

الدكتور توفيق السيف *

عودة للعلاقة مع الغرب الثقافي. في مطالع القرن العشرين، دعا بعض المفكرين المسلمين الى انفتاح كلي على الغرب بحجة انك لا تستطيع التقدم ما لم تندمج في تيار التقدم. هل هذا ما نحتاجه في رأيك؟.

فكرة الاندماج، مثل فكرة الانقطاع، مضمونها سلبي واشك في امكانيتها، حتى لو كانت مفيدة. واقترح بدل هذا علاقة نقدية تفاعلية، أوسع من الانتقاء واقل من الاندماج. واعني بالعلاقة النقدية انفتاحا كاملا على الغرب دون الانبهار به. انفتاحا على منتجاته الثقافية والتقنية، ومجادلتها والنظر في امكانية تبيئة ما يمكن تبيئته منها. وفي خط مواز نقد نسيجنا الثقافي، سيما العناصر التي تقود الى الانقطاع أو تبرر الانقطاع عن تجارب البشر الاخرين. بعبارة اخرى فهي علاقة ذات اتجاهين، وجوهرها هو تحكم صاحب التجربة، أي المسلم المعاصر في الطرفين: الثقافة الاجنبية وموروثه الثقافي الخاص. التحكم بمعنى مقاومة الانبهار والاستسلام الروحي، وممارسة النقد عليهما معا. نحن لا نستطيع الخلاص من التاخرالذي وقعنا في اسره الا عبر النقد المستمر لانفسنا وتراثنا ومتبنياتنا. النقد مستحيل في غياب التحدي والصراع.

هل ترى علاقة جدلية بين نقد التراث والعلاقة مع الغرب؟.

ارى ان التحدي الغربي هو المحرك الواقعي لنقد الذات. محاولاتنا للتحرر من قيود التخلف لم تأت بدافع مستقل في انفسنا أو محيطنا، بل هي - واقعيا - انعكاس للتحدي الغربي. على أي حال، اعتقد ان العامل الخارجي مفيد في اغلب الحالات. معظم الامم التي نهضت، كان محرك نهوضها هو مقاومة التحدي الخارجي، ولا اظننا بدعا من الامم. نحن بحاجة الى علاقة تفاعلية واسعة مع مصادر العلم والمعارف الانسانية حيثما كانت، لانها ستكون التحدي الذي نحتاجه لاشعال جذوة الفكر في عقولنا ونفوسنا. نحن محتاجون ايضا الى الارتقاء بعلاقتنا مع هذه المصادر، من مستواها الاولى، أي الاستهلاك الصرف لمنتجاتها كما هو الحال الراهن، الى التفاعل النقدي، وصولا الى اعادة انتاج العلم والمعرفة ضمن بيئتنا الثقافية والقيمية الخاصة.

لكن يجب ان نضع نصب اعيننا دائما ان بيئتنا ليست هي المعيار للصحيح والخطأ أو الحق والباطل. لدينا الكثير مما يستحق الاهتمام ولدينا اضعافه من غثاء السيل. ما يمنعنا من فرز هذا من ذاك، هو ما اصابنا من احباط وفتور فكري، سببه الرئيس هو الهيمنة القسرية للانساق الاحادية في الفكر والمجتمع والسياسة. التفاعل النقدي مع العالم سوف يرفع درجة التوتر الذهني، وهذا بدوره سوف يتيح لنا النظر فيما عندنا وما عند الاخرين، بعيون الناقد لا بعيون المندهش أو المتفاخر أو الخائف.

نحن لا نحتاج الى الجدل حول الاصالة والتاصيل. المزيد من هذا الجدل لن يوصلنا الى أي مكان، واخشى انه مجرد تبرير للبقاء في سجن التراث الذي بادت ايامه ومات اهله وما عاد التمحور حوله غير حرفة لحراس القبور.

تتساءل عن مدى حاجتنا الحقيقية للتراث، وتقول أننا أصبحنا كحراس المتاحف أو الذين يعتمدون في معيشتهم على مرافقة الأموات، وكأنك تفترض أن شروط النهضة لن تتحقق إلا بقطيعة شبه كاملة مع التراث، وتقول أن التراث الجيد هو الذي نسخره وليس الذي يسخرنا.. هل هناك تراث جيد وتراث سيء؟

لا شك اننا نحتاج الى بعض التراث كي يعيننا على فهم ديننا، وكي يساعدنا في اعطاء معنى لبعض جوانب حياتنا. لكننا لا نحتاجه ابدا كقيد على عقولنا، ولا نحتاجه كحبل يشدنا الى الماضي السحيق، ويعطلنا كلما اردنا اللحاق بقطار الحياة في عصرنا. التراث الجيد هو التراث الذي نسخره ونستخدمه ونتحكم فيه، وليس الذي يسخرنا ويستخدمنا ويتحكم في عقولنا. التراث الجيد هو المعلم الذي يساعدنا على معرفة ما عنده كي نتجاوزه الى ما هو اعلى منه. التراث الجيد مثل جسر على نهر، فهو جسر ثابت بين زمنين أو مكانين، يحمل الناس من زمن الى زمن، أو من مكان الى مكان، ثم يتركهم احرارا كي يواصلوا دربهم، بينما يبقى هو ثابتا في مكانه أو زمانه.

اما التراث السيء فهو راعي الماشية الذي يرسلها الى المرعى، لكنه يعيدها الى حظيرته آخر النهار. فهي مهما انطلقت، فانها تتحرك ضمن دائرة محددة، آخرها العودة الى الحظيرة نفسها. التراث السيء هو السقف الذي يوفر مساحة للحركة تحته، لكنه لا يسمح لك بتجاوزه الى ما هو اعلى منه. التراث السيء هو الجسر الذي يحملك الى نهايته لكنه يمنعك من الانتقال الى الضفة الاخرى، فيبقيك محصورا بين حدوده، لا أنت في الماضي ولا انتقلت الى الحاضر.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.