آخر تحديث: 18 / 11 / 2019م - 10:22 ص  بتوقيت مكة المكرمة

«33» نقد الذات

الدكتور توفيق السيف *

لا يمكن أن نتقدم دون ممارسة النقد الذاتي ولكن هناك عقبات كثيرة تقف أمامنا.. ما هي في تقديرك أبرز هذه العقبات؟ وكيف نعيد تفعيل قيمة جهاد النفس وربطها بالنقد الذاتي؟

ابسط صور الممارسة النقدية هي ان يقول كل رأيه في النقطة المحددة، من دون سعي الى اقناع الطرف الثاني بهذا الراي. فهو بهذه الممارسة يخلق خيارا جديدا موازيا للخيارات السابقة، ويترك للاخرين الحرية في انتخاب ما شاؤوا. النقد الموضوعي هو الذي يتوجه الى الفكرة المطروحة للنقاش، ويغض الطرف تماما عن صاحب الفكرة. نحن نفتقر الى النقد لاننا نفتقر الى النقاش العلمي. النقاشات عندنا قليلة جدا، ومعظم هذا القليل يتناول الاشخاص، ويساجل دفاعا عن الذات. الناقدون يضعون نصب عينهم اسم صاحب الفكرة وانتماءه الايديولوجي أو السياسي أو الجغرافي، واحيانا الاثني أو العرقي، وينظرون الى ارائه من خلال هذه الزوايا. لهذا تجدهم يحتفون بافكار بسيطة واحيانا ساذجة لاشخاص معينين، ويحتقرون افكارا عظيمة لاشخاص آخرين، بناء على مقاييس البعد والقرب من تلك التصنيفات.

في بلادنا كثير من المفكرين واصحاب الآراء الناضجة. لكنهم صامتون خوفا من الاذى، أو بسبب ضيق المساحة المتوفرة للتعبير الحر عن الرأي. في الصحافة نعاني من تضخم في الرقابة، وارتياب من جانب الرقباء، وانعدام تام للمعايير المكتوبة، التي على ضوئها يسمح أو لا يسمح بالنشر. لدينا اذن مشكلة الافتقار الى اطارات قانونية ومؤسسية، تضمن حرية التعبير وتحمي اصحاب الآراء من العسف والتحكم. لدينا اخيرا مشكلة الخلط بين الراي والدعوة. فريق من النخبة ينظر الى الراي كأمانة ومسؤولية، ويطالب الكتاب بان لا يقولوا شيئا يخالف قواعد راسخة أو اعرافا جارية، أو متبنيات لهذا الفريق أو ذاك. ويبرون هذه المطالبة بان القلم امانة وان الصحافة المنشورة تؤثر على افكار الناس وعقولهم، وهم لا يريدون للناس ان يعرفوا شيئا سوى ما هو مؤكد الصلاح.

في رأيي ان هذه المبررات وتلك المطالبات كلها سقيمة لا تصح ولا تصلح. الراي ليس أمانة بل اعلان عن معرفة، قد تتفق مع المتعارف أو تتمايز عنه. ووظيفة الكاتب ليست اصلاح الناس، بل التفكير والتعبير عن افكاره. والناس ليسوا دجاجا في حظيرة، كي نتحكم في الغذاء والهواء الذي يصل اليهم، بل عقلاء احرار. أول العلم هو حرية التعبير والنقد والاختلاف. وليس ثمة طريق للتقدم والاصلاح من دون حرية النقد، واعني الحرية المطلقة التي لا تحدها قوانين ولا قيود ولا أحكام ولا اعراف ولا مجاملات.

كيف يتشكل العقل النقدي القادر على مجادلة الذات ونقدها، في الوقت الذي نعرف ان منظومتنا التعليمية قائمة على آلية التلقين والقولبة، وإعادة إنتاج الآت تحفظ ولا تفهم وتستظهر ولا تفكر؟.

حين نتحدث عن الذات، فان جوهر حديثنا يتعلق بفهم الذات، وقدرة الفرد على ان يفكر في ذاته من دون ان يتأثر بتصوره المسبق حول هذه الذات. وهو ما يعرف في الفلسفة باسم الذاتانية أو subjectivity. ينطوي هذا النقاش على اسئلة عديدة، بعضها ضروري كي يحدد الفرد مكانه في العالم. لعل أول الاسئلة وابسطها هو سؤال العلاقة بين الفرد والجماعة: هل انا فرد مستقل بذاته، مستقل بعقله وفكره، قادر على التعبير عن ذات خاصة غير ذائبة في المجموع. ام انا نقطة في بحر المجموع، مجرد كسر يكمل الرقم، أو امتداد لواحد من الوان اللوحة. هل اصنع هويتي الخاصة ام ارثها أو استعيرها من الهوية الجمعية. هل انا الذي اصوغ حياتي ورؤيتي وتطلعاتي، ام انا منساق فيما صاغه غيري من اسلوب حياة أو رؤية للعالم أو تطلعات؟. هل انا هنا لاني قررت ان اكون هنا، ام لان الاقدار ساقتني الى هذا المكان؟. هل احمل هذه الرؤية لانني توصلت اليها بعقلي الخاص، ام لأن عائلتي أو مدرستي أو مجتمعي زرعوها في عقلي؟. هل انا انا لاني اردت ذلك، أم لأن غيري قرر لي ان اكون كذلك؟.

هذه الاسئلة هي المنطلق في تحديد فلسفة التربية والتعليم. نظامنا التعليمي اليوم يدور في الجوهر حول نقل الموروث الثقافي والتجربة الاجتماعية الى الجيل الجديد، فهو اذن يركز على التواصل والاستمرارية بين الاجيال، ولا يهتم الا نادرا بالتغيير أو القفز على الفواصل الزمنية. الطريقة المتبعة هي ذات الطريقة المعروفة في الكتاتيب القديمة، أي شرح النص واقناع الطالب بان هذا النص هو اطار الحقيقة وحدودها. وهذه الطريقة سائدة في تعليم العلوم الانسانية والعقيدة وفي تعليم العلوم الطبيعية والتجريبية وحتى الرياضيات. فلسفة التربية والتعليم في بلادنا تستهدف اذن انتاج نسخ جديدة عن الجيل القديم مع القليل من التعديلات.

اذا اردنا انتاج جيل مفكر ومنتج للعلم، فنحن بحاجة الى تربية عقل شكاك ومتسائل، عقل متمرد على الاطر والموروثات. عقل يتطلع الى كشف الغيب وليس الوقوف امام جدرانه، عقل يؤمن بالغيب، أي بوجود عالم وراء المشهود والمعروف والمتفق عليه. الايمان بالغيب هو ايمان بوجود أوسع من الوجود المرئي والمشهود، وان الانسان مكلف وقادر في الوقت عينه على الوصول الى ذلك العالم اذا خرق جدار الغيب، أي اذا فكر وجرب وتأمل في الاشياء وحاول عبور السطح الظاهر الى ما تحت السطح من خفاء.

العقل المفكر والعقل المتسائل والعقل الشكاك يحتاج الى بيئة تسمح بالاختلاف، وتقدر المبادرة الفردية ولو كانت مخالفة للسائد. نحتاج اذن الى فهم الذات باعتبارها حرة مستقلة، قائمة بذاتها، شجاعة في ابداع الجديد، لا مجرد ”صامولة“ في الة ضخمة اسمها المجتمع، وظيفتها الوحيدة هي تسهيل عمل الالة أو تكميل الوان اللوحة.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.