آخر تحديث: 18 / 11 / 2019م - 10:22 ص  بتوقيت مكة المكرمة

«38» بين مفهومي الحاكمية والولاية

الدكتور توفيق السيف *

الغرض من السؤال كان استيضاح العلاقة بين مفهوم ”الحاكمية“ ومفهوم ”ولاية الفقيه“

يمكنك العثور على خيط علاقة بين الاثنين. لكنه ضعيف نوعا ما. تنتمي ”الحاكمية“ الى الاطار المفهومي لعلم الكلام، أو ما يسمى بالاصول. اما ”ولاية الفقيه“ فهي نظرية فقهية، وبهذا فهي تحسب بين الفروع. كما ان الحاكمية تعبر عن موقف شخصي/اعتقادي. اما الثانية فهي حكم شرعي لمن يقلد الفقيه المؤمن بالنظرية ولا يترتب عليها موقف سياسي بالضرورة. وفي الجانب الآخر هي موقف سياسي لمن صوت على دستور الجمهورية الاسلامية، حتى لو لم يكن مسلما، او لم يكن مقلدا لفقيه يؤمن بها. بعبارة اخرى فهي نظرية فقهية تحولت الى مادة دستورية في دولة محددة، يقبل بها من يقبل بهذا الدستور.

من الناحية الواقعية، فكلا الفكرتين تجتمعان في اطار الدعوة لأسلمة الدولة، فمن يؤمن بهذا يؤمن بهما أو بأحدهما بالضرورة، اليس كذلك؟

ليس صحيحا. هناك كثير ممن يدعو لأسلمة الدولة، لكنه لا يؤمن بفكرة الحاكمية في الاطار الذي طرحه المودودي وقطب. وهناك من يؤمن بها لكن إيمانه محصور في المستوى النظري، ولا يترتب عليه تكفير او تجهيل للمجتمعات التي لا تؤمن بالفكرة. من ناحية اخرى فان فكرة ولاية الفقيه رائجة في الاطار الشيعي فقط. ونعلم انها ليست موضع اجماع، حتى بين الذين ينتمون الى تنظيمات سياسية تسعى لأسلمة الدولة.

يهمني الاشارة هنا الى خلط ناتج عن الجدل السياسي في الفكرتين. جميع المسلمين يتحدثون عن ”حكم الله“ و”حاكمية الشرع“، وهما مفهومان اوسع كثيرا من فكرة الحاكمية المذكورة سلفا. في الجانب الاخر هناك من يرى ولاية الفقيه في أمور محددة، مثل القضاء ووظائف القاضي. وهذا جزء مما يسمى بالولاية الخاصة التي لا تتضمن ولاية سياسية، سيما الجزء المعروف بالولاية الجبرية. هناك ايضا من يرى ضرورة اتباع الفقهاء في أمور الدين لأنهم اعلم الناس بها. وقد ادى الجدل السياسي، ولا سيما بسبب مشاركة غير العارفين بالفكرتين وتفاصيلهما الى تشويش كثير. هناك من يكتب في الصحف عن المؤمنين بولاية الفقيه او عن الولي الفقيه وكانه شيطان او تابع للشيطان. وهناك من يكتب عن الحاكمية وكانها رجس من عمل الشيطان. أقول ان هذا كله من الجهل او انه يستهدف التجهيل. ولهذا فليس له قيمة ولا يستحق ان نصرف الوقت على مجادلته.

حسنا، دعنا من الفكرتين. لكنك تعلم ان الدافع للحديث عنهما هو الجدل الشديد حول واقعية الدعوة الى حكم الاسلام في هذا العصر. بعبارة اخرى: هل نستطيع التوصل الى نظام سياسي يقوم على القيم الاسلامية ويستجيب في الوقت نفسه للتطورات التي توصلت اليها البشرية في هذا الزمان، سيما في خصوص الدولة وعلاقتها مع المجتمع؟.

نعم. هذا ممكن في رأيي. ولدينا تجارب جزئية تبرهن على قابليته للانطلاق والتطوير. لكننا بحاجة الى حسم القول في أمرين، هما: أ» كون الجمهور شريكا في صناعة الفكرة والمؤسسة، وب» الالتزام في تطويرها بروح الدين وقواعده العامة والقيم العليا، وليس بالفقه الموروث. وسنعرض خلال هذا النقاش لجوانب من المسألة بما يكفي لتوضيح كيفيتها ومبرراتها. وللمناسبة فان كتابي ”حدود الديمقراطية الدينية“ يحاول الاجابة عن هذا السؤال، من خلال مقاربة سوسيولوجية، ويدرس المسألة في نموذج سياسي قائم. بينما دار الكتاب الاخر ”الديمقراطية في بلد مسلم“ حول الاشكالات النظرية والفلسفية التي يثيرها تركيب الدين والديمقراطية. أقول ان اقامة نظام ديمقراطي على أرضية القيم الدينية أمر ممكن نظريا وعمليا، ضمن قراءة للطرفين تتسم بالتحرر ولا تستسلم لمقولات السابقين.

ماهي - في رأيك - ابرز عيوب مفهوم الحاكمية؟

لعل ابرز عيوبها في ظني هو انها تستبطن منظورا شموليا للعلاقات السياسية والاجتماعية. ومن هنا فهي قد قابلة لتبرير نظام حكم ايديولوجي شمولي. ونعرف من تجربة البشرية ان هذا النوع من الانظمة تهديد جدي لكرامة البشر وحقوقهم وحرياتهم. ومن اراد التوسع في هذا الباب فليرجع الى كتاب حنا ارندت ”اسس التوتاليتارية“، او كتاب كارل بوبر ”المجتمع المفتوح واعداؤه“ ففيهما ما يكفي من بيان لخطر الشمولية على الانسان والمجتمع، ايا كانت الايديولوجيا التي تستند اليها.

الظهور الاول لفكرة الحاكمية في السياسة ترجع الى حرب صفين عام 37 هجرية، حين نادى الخوارج ان ”لاحكم الا لله“ فرد عليهم امير المؤمنين علي بن ابي طالب فيما روي عنه ”نعم انه لا حكم إلا لله، ولكن هؤلاء يقولون لا إمرة. وإنه لابد للناس من أمير بر أو فاجر، يعمل في إمرته المؤمن ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الاجل، ويجمع به الفئ، ويقاتل به العدو، وتأمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي، حتى يستريح بر ويستراح من فاجر“. بمعنى ان عليا أخذ المسألة الى نهايتها الواقعية، وهي ان حكم الله سيجري على يد الرجال ويطبق بواسطتهم، ومن هنا فان فهم حكم الله واستيعابه سيكون مشروطا بالقابليات الذهنية والروحية لمن يطبقه، أو مشروطا - حسب تعبير هانس - جورج غادامر الفيلسوف الألماني - بالأفق التاريخي للجماعة التي يجري فيها تأويل النص او المثال المجرد، وتحويله الى مفهوم عملي قابل للتطبيق في الحياة اليومية.

رأيي اذن ان حاكمية الله او حاكمية الاسلام، هي في نهاية المطاف فكرة يؤمن بها جميع الناس او بعضهم، تنصرف لاحقا الى سلطة ينشئها متغلب، او يمنحها المجتمع لاشخاص محددين يحكمون باسم النظرية او الايديولوجيا او يسعون لتطبيقها. حاكمية الله او حاكمية الشرع، هي في نهاية المطاف حاكمية البشر او فريق منهم، فما الذي يميزها عن غيرها، ولماذا نهتم بها على وجه الخصوص؟. ثم ماذا يهمنا من مفهوم الحاكمية، ما الذي نريد علاجه من خلال هذا المفهوم: هل هو دور الاسلام ام مكانته ام دور المسلم وواجباته؟. فيما يخص السلطة، قلت سلفا اني أرى ان المجتمع هو وعاء السلطة ومصدرها، وهو الذي يختار من يحكمه وكيف يحكمه.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.