آخر تحديث: 22 / 11 / 2019م - 6:43 م  بتوقيت مكة المكرمة

«48» مكانة المعصوم واشكال الغلو

الدكتور توفيق السيف *

مادمنا في الحديث حول ولاية الامام المعصوم، يدور في ذهني دائما سؤال حول اتهام الشيعة بالغلو في الائمة، سيما بمنحهم صفات فوق بشرية. هل لديك رأي في هذا الصدد؟.

اعتقد ان هذا صحيح. هناك ميل واسع الى شخصنة القضايا الدينية وتقديس التاريخ. وكلاهما ينصرف تلقائيا الى مبالغة في تصوير رجالات التاريخ، الائمة وغيرهم، واضفاء صفات خارقة عليهم، او ادعاء امكانية خرق القوانين والسنن الكونية على أيديهم. وهو بالمناسبة مسلك رائج في التعامل مع التاريخ والتراث الاسلامي بين جميع المسلمين. الشيعة يبالغون في تصوير شخصيات الائمة وأصحابهم، والسنة يفعلون الشيء نفسه للصحابة والتابعين. وأرى بصورة عامة ان هذا الميل قد عطل قدرتنا على التفكير بحرية في الدين كمنهج قائم بذاته، منفصل عن ”أشخاص“ دعاته وأبطاله. كما عطل قدرتنا على التعامل مع تراثنا وتجربتنا التاريخية بشكل موضوعي.

نتيجة لذلك التقديس، فقد تشكل نوع من التقييد على الافكار والاراء الجديدة. كل فكرة او رأي جديد، يحاكمه صاحبه ويحاكمه الآخرون الى آراء الماضين واجتهاداتهم. فما لم يطابق تلك الاراء العتيقة، فهو منبوذ ومرفوض، مهما كانت قيمته العلمية. هذا عامل مؤثر في ابقاء علم الدين متأخرا عن زمنه، ومربوطا الى الماضي بحبل متين، بدل ان يكون معبرا عن حاضر المسلمين وحاجاتهم، وبدل ان يكون متفاعلا مع ما توصلت اليه البشرية من علوم ومناهج جديدة.

بصورة اجمالية هل تميل الى مفهوم العصمة الموروث، هل تعتبره صحيحا او ممكنا؟.

هو بالطبع ممكن، اي غير مستحيل. لكننا لا نتحدث عن الامكان المنطقي في قضية افتراضية، بل عن ثبوت او عدم ثبوت واقعة تاريخية محددة. او ثبوت او عدم ثبوت قضية دينية. اثبات الواقعة التاريخية يحتاج الى تدقيق روايات المؤرخين، واثبات القضايا الدينية يحتاج الى دليل نصي اصيل، اي سابق للقضية من حيث الزمان أو الرتبة. والقطع بصحة الواقعة او القضية النظرية، يتوقف على مقارنة بين أدلة الاثبات وأدلة النفي، ومقارنة الدعوى النظرية بالرواية التاريخية في كلا الوجهين.

أميل الى الظن بأن مفهوم العصمة الذي تحدث عنه متكلمو الشيعة القدامى، متأثر بنظرية الكمال الانساني التي اقترحها الفيلسوف اليوناني ارسطو «ت 322 ق. م». وقد لقيت رواجا بين المفكرين المسلمين، ولا سيما في اعمال محي الدين بن عربي، الفيلسوف والمتصوف المعروف في القرن الثالث عشر. وقد نقلت في كتاب ”حدود الديمقراطية الدينية“ موجزا للمقارنة التي عرضتها جين كلارك عن فكرة الانسان الكامل عند ارسطو وابن عربي «ت - 1240». وخلاصة راي الفيلسوف اليوناني ان كل انسان قادر على بلوغ درجة الكمال، اذا طور قدراته الذهنية وبات قادرا على تنمية الحسن والصفات الحسنة في نفسه من خلال المعرفة، لا سيما الفلسفة.

اما ابن عربي فرأى ان العلم نور يقذفه الله في القلب الصافي من حب الاغيار. فالقلب هو النقطة التي تلتقي عندها جميع مكونات روح الانسان من تخيل وتعقل واحساس، فاذا التقت هذه الاجزاء وترابطت، واذا صفت الروح واستسلمت، تجلى نور الله في قلب المحب العارف، فاوصله الى درجة الكمال وتحقق الغرض من الخلق.

وتجد مقاربة من هذا النوع ايضا عند الشهيد الثاني زين الدين العاملي، الفقيه الشيعي «ت 1557». ويمكن القول بصورة اجمالية ان عددا كبيرة من المتكلمين والفلاسفة في ايران، قد تبنوا فكرة الانسان الكامل. ومن بينهم على الخصوص صدر الدين الشيرازي وحيدر املي والفيض الكاشاني. وذهب الشيرازي الى ان الله اختار الانسان خليفة له في ارضه، وجعل سعيه الى الكمال اعلى مراتب الطاعة له. فاذا اجتهد الانسان في هذا الطريق حتى بلغ غايته، بات أهلا لنيل خلافة الله سبحانه. وتعتقد آن لامبتون وهي مؤرخة بريطانية متخصصة في تاريخ ايران، ان مراكز العلم الشيعية تعرفت على أفكار ارسطو من خلال اعمال الكليني وابن بابويه، وهما من المحدثين البارزين في القرن العاشر الميلادي. وان الرجلين جسرا الفجوة بين الفكر السياسي الاسلامي، وما وصل اليهم من الأعمال المترجمة لفلاسفة اليونان.

بعد هذا الاستطراد أقول ان مفهوم العصمة الجبرية، اي العصمة التامة في الافعال والاقوال، منذ الولادة وحتى الوفاة فيه تكلف كبير، وهو غير مفيد. نظرا لأن علة وجود الامام والمرشد هو الاقتداء به من قبل عامة الناس. فاذا كان مختلفا عنهم في التكوين والخلقة، فليس حجة عليهم لأنه غير مختار.

اما المفهوم الذي يبدو معقولا فهو العصمة التي تقارب معنى الكمال، اي ترويض النفس على المعرفة والاستقامة التامة، حتى يصفو القلب والعقل. وهذا مفاد الكلام المنسوب الى الامام علي بن ابي طالب: ”وإنما هي نفسي أروّضها بالتقوى، لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر، وتثبت على جوانب المزلق، ولو شئتُ لاهتديتُ الطريق إلى مصفّى هذا العسل ولباب هذا القمح ونسائج هذا القز، ولكن هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي إلى تخير الأطعمة“. أرى ان هذا المعنى أقرب الى العقل. ولم أجد ما يعارضه تاريخيا ونظريا. وعلى أي حال فان الجدل في هذا الموضوع، لا يقلل من أهمية الامامة وموقعها، ولا يقلل من فضائل الائمة أو صفاتهم او مكانتهم.

مع الاحترام لرأيك، الا ان المعروف عند الشيعة انهم يعتبرون الايمان بالامامة والعصمة بالمعنى الموروث من ضرورات المذهب. وأعرف اشخاصا تعرضوا للقمع الشديد من جانب المجتمع ورجال الدين لأنهم جادلوا فيها.

أعرف هذا، ونعرف جميعا ان المجتمع وكثيرا من نخبته يضيقون بأي رأي مختلف. وهم مستعدون لتكرار الجدل في كل شيء يتعارض مع ما ألفوه. مثل هذا السلوك ليس حجة في العلم ولا هو حجة في أمور الدين. واذكر هنا إشارة للشهيد الثاني وهو من أعاظم علماء الامامية، في الاجابة عن سؤال افتراضي حول تعين الايمان بامامة الائمة وعصمتهم على التفصيل، حيث يذكر ان هذا هو رأيه، لكنه لا يستبعد كفاية الايمان ببعض الصفات في الجملة:

”ليس بعيدا الاكتفاء بالأخير، على ما يظهر من حال رواتهم ومعاصريهم من شيعتهم في أحاديثهم . فإن كثيرا منهم ما كانوا يعتقدون عصمتهم لخفائها عليهم، بل كانوا يعتقدون أنهم علماء أبرار. يعرف ذلك من تتبع سيرهم وأحاديثهم. وفي كتاب أبي عمرو الكشي رحمه الله جملة مطلعة على ذلك. مع أن المعلوم من سيرتهم مع هؤلاء أنهم كانوا حاكمين بإيمانهم بل عدالتهم“.

هذا النص يوضح ان الشهيد العاملي لا يرى ان مخالفة التيار العام في صفات الائمة، سبب للخروج من المذهب. ودليله على هذا فعل الائمة انفسهم. ونعرف من شواهد تاريخية عديدة وموثقة ان بعض أعاظم الشيعة عارضوا رأي الامام، ومع ذلك فلا الامام نهرهم، ولا علماء الشيعة اعتبروا تلك المعارضة منقصة فيهم، أو سببا للتهوين من قدرهم. وقد أشرت في جواب سابق الى ما كتبه حجة الاسلام كديور وآية الله صالحي نجف آبادي في هذا الصدد. فليراجع من طلب التفصيل.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.