آخر تحديث: 23 / 6 / 2017م - 3:47 ص  بتوقيت مكة المكرمة

توفيق السيف: جوهر العلاقة بين السعوديين ديني... وهذا خطأ

جهينة الإخبارية حوار: أحمد العياد - صحيفة إيلاف

يصر توفيق السيف السعودي الشيعي على أن مفهوم المواطنة في السعودية لم ينضج بعد لأنه قائم على انتماء ديني لا وطني، فالعلاقة بين المواطنين السعوديين قائمة على أرضية الدين، وهذا برأيه خطأ واضح.

  • الحكومة لا تملك البلد، بل تديره وتدبر أموره وتحميه، ومن يملك البلد هم الناس.
  • لا أرى أن المثقف صاحب رسالة، بل هو صاحب حرفة كالطبيب والتاجر والمهندس.
  • نعرّف عروبتنا كمقابل للغرب، وإسلاميتنا كمقابل لكفر هذا الغرب.
  • لا فائدة في مجلس التعاون. فدوله لا تستطيع اضافة شيء إلى المملكة، لا سياسيًا ولا اقتصاديًا ولا أمنيًا.
  • الجميع يتحدث عن الولاء للوطن، ويقصد تأييد سياسات الحكومة، وهذا خطأ.

إننا بحاجة إلى فهم جديد للدين، منسجم مع الأفق التاريخي لعالم اليوم، يجعلنا أكثر قدرة على المساهمة في عمران الأرض وصناعة مستقبل العالم.

الدكتور توفيق السيف مفكر وباحث ديني وسياسي سعودي، مهتم بقضايا التنمية السياسية. ولد في القطيف في 11 كانون الثاني «يناير» 1959، وهو عضو في مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، وفي منظمة العفو الدولية في لندن، وكاتب في جريدة الشرق الوسط السعودية. ساهم في العديد من الدورات العلمية في الفلسفة والاقتصاد وعلوم الإدارة وحقوق الإنسان والعديد من الدورات في القانون.

السيف معروف بأنه مفكر سعودي شيعي، يقول في حوار مفتوح مع «إيلاف» إن التأزم الخاص ب «الهوية» هو من أسباب حالة التوتر السائدة في المجتمع السعودي.

يأخذ السيف على العالم الاسلامي تكراره الحديث عن عداء الغرب للعرب والمسلمين، واصفًا ذلك بأنه ليس صالحًا، «لأنه ليس جزءًا من مشروع للاستقلال عن الغرب، بل مجرد تبرير للفشل والدوران حول الذات»، داعيًا المسلمين إلى أن يتفهموا العالم وأن يحبوه، فلدى العالم الكثير مما يستحق أن يتعلموه ليكونوا تاليًا شركاء في انتاج العلم.

يقول الدكتور توفيق السيف إنه سعودي أولًا، قبل أن يكون شيعيًا، وإن مشروع التقارب السني الشيعي ذهب في الطريق الخطأ، «من ذلك مثلًا أن مشروع الحوار الوطني حصر فكرة الحوار في العلاقة بين المشايخ، فجمع شيوخ السنة والشيعة والسلفية والصوفية، وقال لهم تفاهموا»، متسائلًا إن كان الشعب السعودي متمثلاً في المشايخ وحدهم، ومجيبًا نفسه: ”قطعًا لا“.

يضيف: «علاقة الشيعة بمراجع الدين من القضايا التي خاض فيها بعض المشايخ في بلادنا، بناء على تصورات ذهنية خاطئة، لا علاقة لها بالواقع».

كما يقترح السيف تغيير مسار الاجتهاد، بحيث يبدأ من تعريف مقاصد الشريعة، أي الاغراض التي من اجلها شرع الدين، «وقال قدامى الفقهاء إنها ضروريات خمس تتلخص في حفظ النفوس والأموال والأعراض والعقول والأديان»، مطالبًا بفهم جديد للاسلام.

وفي ما يأتي متن الحوار:

في مقالتك «رأي الجمهور» قلت إن الإنصاف يقضي أن تشاور الحكومة شعبها في كل سياسة أو قرار قبل اعتماده رسميًا... ما معيار علاقة المجتمع بالدولة؟

حقوق أفراد المجتمع قائمة على مبدأ اساس هو ملكية الناس تراب وطنهم. الحكومة لا تملك البلد، بل تديره وتدبر أموره وتحميه. من يملك البلد هم الناس، إذا افترضنا أن السعوديين عشرون مليونًا، فأنت كمواطن سعودي تملك حصة واحدة من عشرين مليون حصة في كل شبر من المليوني كيلو متر مربع التي تشكل مساحة المملكة. السعوديون يملكون وطنهم، مثلما يملك كل شعب ارض وطنه. وهذا المُلك حقيقي شرعي ثابت، وبالتالي نحتاج لمدير يديره. بديهي أن على المدير - أخلاقًا وقانونًا - أن يستشير المالكين حين يتصرف في أملاكهم وباقي شؤونهم.

من ناحية أخرى، ثمة رواية تنسب للامام علي بن ابي طالب: ”من شاور الناس شاركهم عقولهم“. ما يحدث الآن هو أن 5 أو 10 أشخاص فقط يقررون أمور البلد، ربما يكونون متخصصين وربما لا يكونون، لكن المنطق يقول إنك حين تستشير عددًا كبيراً من الناس تحصل على مادة غنية جدًا تثري التفكير والبحث والقرار، حتى لو لم تلتزم بآراء الجميع. من المهم للمواطنين أيضًا أن يناقشوا القضايا التي تعتزم الحكومة تبنيها كسياسات أم قرارات، كي يعرفوا مستقبلهم وما هم مقبلون عليه، وكي يعرف صاحب القرار رأي شعبه في توجهاته، حتى لا يطرح شيئًا ضد عواطفهم وآمالهم.

ماهو مكان المثقف ما بين المواطن والدولة؟

قد أكون رجعيًا بعض الشيء. فأنا لا أرى أن المثقف صاحب رسالة، ولا عليه مسؤولية تجاه المجتمع، بل هو صاحب حرفة كالطبيب والتاجر والمهندس. دور المثقف هو انتاج الثقافة والتعبير عن رأيه فقط، وليس من واجباته أن يكون مرشدًا للحكومة ولا للجمهور. باختصار، لا مسؤولية عليه غير المسؤوليات التي على الناس الآخرين.

لماذا أحتاج عدوي

لطالما تحدثت في مقالاتك وكتبك عن مشكلة الهوية والأقليات، وقلت إن استبعادها من النقاش لا يحل المشكلة. ماذا يعني ذلك؟

عالجت قضية الهوية من زاوية سوسيولوجية، وهي مشكلة حادة لكنها ليست موضع اهتمام في بلدنا. مسألة الهوية ليست خاصة بالأقليات وحدها، واعتقد أن التأزم الخاص بالهوية من أسباب حالة التوتر في المجتمع السعودي، وهي - لهذا السبب - سبب بعض حالات العنف، سواء ضد الزوجات أم الأبناء أم الأطفال أم المخالفين أم المختلفين أم الدولة. من الأخطاء التي ارتكبناها في مناهجنا التعليمية وفي الإعلام وفي المنابر الدينية أننا استعملنا التعريف بالضد كأساس للتعرف على الذات «أي تشكيل هويتنا الخاصة». فحين نصف انفسنا، فاننا نعرف عروبتنا كمقابل للغرب، واسلاميتنا كمقابل لكفر هذا الغرب، أي أن الإنسان يطالع الآخرين ثم يحدد هويتهم، معرفًا نفسه وهويته بما هو نقيض لهويتهم. وطال الحديث عن المؤامرة الغربية، وعن أننا ضحية لهذه المؤامرة، وأن الإسلام كان عظيمًا ويومًا ما سنعود، في مبالغة في وصف التاريخ والعودة اليه عززت بشكل عميق جدًا تعريف الضد كأساس لتعريف الذات. لذلك، على سبيل المثال، عندما تأتي بشيخ أو داعية أو رجل متأثر بالدعاة أو حتى متأثر بالتعليم المدرسي العادي وتطلب منه وصف نفسه فلن تسمعه يتحدث عن قبيلته وتراثها، كيف يلبس الناس وكيف يعيشون، ولن يتحدث عن المزارع والاشجار والجبال وجماليات الحياة في قريته او مدينته، بل سينصب حديثه على الغرب والإسلام، المفارقات بين ”نحن“ و”هم“، وكيفية التغلب عليهم. هذا انتج - كما اظن - نفوسًا متوترة. التوتر يحتاج إلى تفريغ وتبرير. وقد وجدنا موضوعًا لتفريغ توتراتنا الداخلية في أميركا وفي العالم عمومًا. فتحولت الريبة والعداوة إلى مضمون شبه وحيد لعلاقتنا مع الغرب والعالم.

وهل هذا أمر سيئ جدًا؟

هذا ليس سيئًا جدًا، أو على الاقل ليس سيئًا دائمًا، لكن واقع الحال يُخبرنا أن نتائجه الفعلية كانت سيئة. أنت ترتاب من الأميركيين لكنك مضطر لاستعمال منتوجاتهم. تشعر بالحاجة إليهم وتكرههم في الوقت ذاته. هذا يولد توترًا في داخل الانسان يعمّق شعوره بالصغر. شخص كهذا سيواجه أسئلة في داخله، مثل: لماذا أحتاج لعدوي؟ لماذا لا أتحرر منه؟ هذا يتعلق بالتفريغ.

أما ما يخص التبرير فيأتي عن طريق تفسير انتقائي للنصوص المرجعية، مثل الآية المباركة ﴿ولن ترضى عنك اليهود والنصارى حتى تتبع ملتهم. هذا التفسير الانتقائي ينتج ذهنية مرتابة في العالم. كان بامكاننا - بطبيعة الحال - أن نحول الارتياب أو العداوة إلى محرك للإبداع والانتاج اللذين يؤديان إلى الاستقلال عن العدو المفترض. يمكننا أن نفعل ما فعله الصينيون بعد برنامج الإصلاح الإقتصادي عام 1980، حين قرروا أن يكونوا مصنع العالم. نحن نستطيع أن نكون مصنع العالم مثلهم. في الصين اليوم أكثر من 200 ألف شركة أجنبية، وأكبر عدد من الطلبة المبتعثين في اوروبا واميركا. ومع كل ذلك فهم لم يتنازلوا عن هويتهم ومصالحهم، ولم يسلموا بلدهم للدول الاجنبية، بل أعادوا بناءها، بتقليد العدو اولًا، ثم الاستقلال عنه. نحن السعوديين والمسلمين اجمالًا، نحتاج إلى التحرر من التوجس والارتياب في العالم. اذا كنا نكره العالم، فعلينا أن نتعلم منه كي نتجاوزه، لا أن ندور حول أنفسنا وماضينا، ثم نفرغ قهرنا في انفسنا وفي اهلنا وبلدنا.

لكن العالم يعادينا؟

تكرار الحديث عن عداء الغرب للعرب والمسلمين ليس صالحًا، لأنه ليس جزءًا من مشروع للاستقلال عن الغرب، بل هو مجرد تبرير للفشل والدوران حول الذات. لهذا السبب اضراره كارثية. من الاحسن لنا أن نتفهم العالم وان نحبه، وان نعتقد بعمق أن لدى العالم الكثير مما يستحق أن نتعلمه، ثم - في المرحلة التالية - نكون شركاء في حياة العالم، في انتاج العلم وحماية البيئة الكونية، واستئصال الفقر وتعميق التكنولوجيا، ونشر الفضائل الاخلاقية والتجربة الروحية. البشر الذين يعيشون معنا على هذا الكوكب إخوة لنا في الانسانية، عباد الله مثلنا، شركاء لنا في كوكبنا، وحقنا المشترك كبشر وكعباد لله أن نتشارك في عمران هذا الكوكب وصناعة مستقبل افضل لاجيال البشرية التي ستأتي بعدنا، بدل أن نورثهم مبررات اضافية للتنازع والكراهية والتوتر.

زبدة القول في موضوع الهوية، اننا بحاجة إلى مراجعة فهمنا لأنفسنا، أن نتجه إلى التعريف الايجابي للذات بدلًا من التعويل على مقارنة سلبية مع الغير. نحن بحاجة لإعادة التأمل في اسئلة مثل: ماذا يعني أن تكون سعوديًا؟ ماذا يعني أن تكون عربيًا؟ وماذا يعني أن تكون مسلمًا؟.

تقول إن ثمة إشكالية بين الإلتزام الديني والحرية الشخصية؟

الحرية مشكلة في ثقافتنا ككل، سببها أن تراثنا لا يقدس الحق بل يقدس التكليف والواجب. سَل نفسك: هل سبق أن سمعت أبًا يحدث ابنه عن حقوقه ”المقصود حقوق الولد“؟ هل سمعت خطيبًا في مسجد يتحدث عن حقوق المواطن على الدولة، على الدين، وعلى الوطن؟ نربي اطفالنا على مبدأ أن الولد الطيب هو من يعرف واجباته فيلتزمها لا من يعرف حقوقه ويطالب بها. نحن نعلم اولادنا ما يجب عليهم وليس ما يحق لهم. فكرة أن الإنسان له حقوق تقوم على أساسها تكاليف ليست موجودة عندنا. الثقافة المبنية على أولوية الواجب والتكليف تنتج شخصًا مقهورًا. ثم نأتي بالدين ونضعه وسط هذه الواجبات ونعتبره مبررًا لها. أعتقد أن هذا ليس من الدين بشيء. محور التدين هو تكليف فردي، وأن كل انسان مسؤول عن نفسه. أنا مسؤول عن أعمالي أمام الله. لكن كيف أكون مسؤولًا من دون أن أكون حرًا مختارًا؟ يجب أن يكون الإنسان حرًا قادرًا على الإختيار حتى يكون مسؤولًا عن تصرفاته وخياراته. ما يحدث حاليًا في المجتمع هو استعمال الدين مبررًا لثقافة اجتماعية تقدس الواجب والتكليف وتلغي الحق. وهذا في ظني جوهر اشكالية العلاقة بين الالتزام الديني والحرية الشخصية.

”التعاون“ بلا جدوى

السعودية تقود تحالفًا لإرجاع الشرعية إلى اليمن. متى تنتهي الحرب؟

تنتهي الحرب إذا تنازل كل الأطراف أو تنازل أحدهما أو انهزم، أو قبلا بالمفاوضات طريقًا لحل الخلاف. لا مشاكل سياسية مستحيلة. ثمة أدوات إقليمية مثل الجامعة العربية ومنظمة التعاون الاسلامي، وثمة أدوات دولية مثل الامم المتحدة يمكن تفعيلها للتوصل إلى حل. ففي سوريا، نجح مجلس الأمن في الايام الاخيرة في فرض وقف اطلاق النار، على الرغم من أن عشرات الأطراف تشارك في هذا الصراع. هذا مثال على فائدة الادوات الدولية. حين تقف الحرب تولد فرصة للبحث عن حلول سياسية.

قلت إن مجلس التعاون الخليجي عبء على السعودية. كيف ذلك؟

بصراحة... لا أرى فائدة في مجلس التعاون. فدوله لا تستطيع اضافة شيء إلى المملكة، لا على المستوى السياسي ولا الاقتصادي ولا الأمني. لعلك تعلم أن الحجم الاقتصادي لجزء من المملكة هو المنطقة الشرقية يزيد عن حجم دول مجلس التعاون الأخرى مجتمعة. وأنا هنا لا أطالب بالتخلي عن العمل مع مجلس التعاون، لكن أرى أن لا يجب الإنشغال به أكثر من اللازم. من الاصلح للمملكة أن تركز على الدول التي تناسبها حجمًا أو مكانة، كالجزائر وتركيا وايران والعراق والهند وباكستان ومصر واندونيسيا وماليزيا وجنوب افريقيا، فضلًا عن الدول الصناعية.

ليس في الإنشغال بالدول الصغيرة من ضرر، لكن لا جدوى من عقد الآمال عليها. واقع الأمر أن كل ما يحدث في ”التعاون“ يبدأ من المملكة وينتهي فيها. لو قررت السعودية عدم حضور اجتماع للمجلس فلن ينعقد الاجتماع، ولو قررت عدم المشاركة في عمل فلن يبدأ. لا أدعو إلى ترك المجلس، بل إلى عدم المبالغة في الانشغال به والتعويل عليه.

مبدأ المواطنة غير ناضج

ما سبب التشكيك الدائم بانتماء المواطن الشيعي للدولة؟

الحل تعزيز فكرة المواطنة. هناك انطباع منتشر جدًا فحواه أن علاقة المواطنين ببعضهم قائمة على ارضية الدين، وهذا خطأ واضح. كل انتماء ديني ينصرف - سياسيًا - إلى انتماء طائفي. هناك دائما، الآن أو في الماضي أو في المستقبل، مواطنون لا يؤمنون بنفس ديننا او لا يقبلون نفس قراءتنا الدينية، فهل نلغي شراكتهم في ارض وطنهم؟

مبدأ المواطنة ومفهوم الوطن ليسا قائمين على ارضية الدين، ولم نأتِ بهما من التراث الإسلامي، بل أخذناهما من الدولة القومية الحديثة التي ولدت في معاهدة وستفاليا، وتكرس كحقيقة متفق عليها في النظام الدولي بعد قيام عصبة الامم ثم منظمة الامم المتحدة. هذا المفهوم يقرر أن جميع حملة الجنسية في بلد معين هم مواطنون متساوون بغض النظر عن دينهم وعرقهم وتاريخهم. وكل من لا يحمل نفس الجنسية أجنبي حتى لو كان أهله من مواطنيها، أو كان ينتمي إلى نفس دينها ومذهبها وقوميتها. في عصر الدولة القديمة السابق لمعاهدة وستفاليا، كان اتباع ديانة او مذهب محدد يعتبرون رعايا لحكومة الدولة التي تتبنى ذلك المذهب. الأخذ بهذا المبدأ القديم يعني الغاء الحدود السياسية والسيادة الوطنية، بحيث تكون المملكة مسؤولة عن اتباع المذهب السلفي في الجزائر مثل مسؤوليتها عن المواطن السعودي، ويحصل اتباع المذهب الحنفي في افغانستان على نفس حقوق المواطن المصري، وتكون الصين مسؤولة عن الماليزيين ذوي الاصول الصينية، وهكذا. لكن واقع الحال أن السعوديين، حكومة وشعبًا، رضوا بالمفهوم الحديث للدولة الذي يقول إن جميع الذين يحملون جنسية البلد مواطنون متساوون مع بعضهم في الحقوق والواجبات. وكل من لا يحمل جنسية البلد أجنبي، حتى لو كان أخي أو أبي. هذا التوزيع البسيط أقام علاقة قانونية بين سكان البلد اسمها المواطنة. لو اختلفت ديانتنا نظل مواطنين يجمعنا وطن واحد. لذا لا يجوز محاسبتي على اختلافي في العقيدة والمذهب. أنا أملك حصة في ارض وطني مثلما تملك أنت. لا يحق لك أن تطالبني باثبات مواطنتي كما ليس لي الحق في مطالبتك، ولا تطالبني بمشابهتك واتباع فهمك الخاص او ايمانك، كما لا اطالبك. وما زال مبدأ المواطنة هذا غير ناضج ولا متجذر في الثقافة السياسية العربية، وفي بلدنا خاصة. فتضخم الجانب الديني في التعليم والاعلام والسياسة عمّق المشكلة، ومن يرى نفسه ”اكثر تدينًا“ يطالب غيره بأن يكون مثله كي يعتبره مواطنًا صالحًا.

وماذا عن الولاء للوطن؟

الجميع يتحدث عن الولاء للوطن، ويقصد في حقيقة الأمر تأييد سياسات الحكومة. هذا خطأ. الولاء للوطن تعبير عن علاقة مع كيان قيمي ومادي ثابت ومشترك. اما سياسات الحكومة فهي مرتبطة بمصالح وظروف متغيرة. ليس من واجبات المواطنين تأييد كل سياسة للحكومة، بل واجبهم التزام القانون. الموقف من السياسات هو من الحقوق التي لك كمواطن أن تؤيدها أو تعارضها، بناء على اسباب تتعلق بالصالح العام او المصلحة الشخصية. لهذا يعارض التجار سياسات السعودة، كما يعارض الكتاب سياسات الرقابة، ومع ذلك لا أحد يشكك في وطنيتهم.

نذكر بفخر الأميركيين الذين عارضوا حرب فيتنام، مثل الملاكم المسلم محمد علي كلاي، ولا نعتبره خائنًا لوطنه. كما نذكر بالخير اليهود الذين يعارضون السياسات الاسرائيلية، والاوروبيين الذين يدافعون عن حقوق المهاجرين المسلمين إلى اوروبا. فهذه معارضة لسياسات وقوانين جارية، لكنها لا تجرح وطنية اصحابها، بل تعد فخرًا لهم، لأنهم تمسكوا بقيم عليا في مجتمع يؤمن بالتعددية والتنوع.

فالسياسة إذًا ليست منتوجات قيمية لا تتغير. طبيعة القيم أنها ثابتة، أما السياسات فتتغير. السياسة هي عمل الحكومة أما الوطن فهو كينونة قيمية. وتأييد سياسات الحكومة موضوع مختلف تمامًا عن الولاء للوطن. ربما تسجنني الحكومة إذا خالفت قوانينها، لكنها لا تستطيع أن تقول إني لست سعوديًا. وعودة إلى موقف الشيعة، اجد كثيرًا من الناس، حتى بين النخبة، منزعجين لأن الشيعة اتخذوا مواقف مباينة لموقف الحكومة في قضايا محددة، ولا سيما تلك التي تحمل ظلالًا طائفية. لا ألومهم لكني لا اعتبرهم محقين في موقفهم.

لكنك متهم بالولاء لإيران؟

يتهمني كثيرًا من الناس بالطائفية والولاء لإيران، وقال كاتب ينتمي لتيار ديني سياسي معروف أن توفيق السيف طائفي لأنه لم ينتقد في حياته رأيًا دينيًا للشيعة أو موقفًا للحكومة الايرانية. لمح إلى أن هذا دليل على اني خائن لوطني، وهو كلام يدل على جهل. كتبت اربعة كتب في نقد الفكر الديني والسياسي الشيعي، كما كتبت نقدًا موسعًا لنظرية ولاية الفقيه في أكثر من كتاب بينها ”نظرية السلطة في الفقه الشيعي“. وكتبت دراسة مفصلة في نقد الأنموذج السياسي الايراني، منشورة بعنوان ”حدود الديمقراطية الدينية“. لا اخفي انني اتبنى أنموذج الديمقراطية الليبرالية في السياسة، ونسبية المعرفة في الدين والفلسفة. ولي في هذا عشرات المقالات والدراسات. اعذر هذا الكاتب وامثاله لانهم لا يقرأون سوى ما ينشره تيارهم الخاص. لكني، مع كل ذلك، لا أرى أن من واجبي معارضة إيران أو نقد الشيعة، كما لا أرى من واجبي معارضة الحكومة السعودية أو أي حكومة أخرى أو نقد أي مذهب، ولا من واجبي مدح هؤلاء ولا اولئك او الدفاع عنهم. لا أقبل أن يأتي شخص ليشكك في وطنيتي بناءً على رأي في سياسات الحكومة او موقف منها. أقول رأيي لأنه حقي، سواءً خالف رأيك أم وافقه، وسواءً انسجم مع سياسات الدولة أم خالفها. لا علاقة لهذا من قريب ولا بعيد بوطنيتي وايماني بوطني.

ما رؤيتك لوضع الشيعة في السعودية حاليًا، خصوصًا بعد تفجير المساجد وإعدام نمر النمر ضمن قائمة ال 47 ارهابياً في بداية هذا العام؟

في القطيف نوعان من المشكلات: مماثلة لما يواجه باقي مدن المملكة، وخاصة بها ناتجة عن اختلاف مذهبها أو طبيعة علاقتها بالدولة والمجتمع. اعتقد أن النوع الثاني ناتج عن هيمنة الثقافة التقليدية في مؤسسة الدولة وفي المجتمع، وهي الثقافة التي تفترض أنه كي تكون سعوديًا حقيقيًا فيجب أن تكون مشابهًا لي، اي أن مجتمعًا وتراثًا معينين هما المعيار الوحيد الذي يُقاس عليهما سلوك الناس، ويفرض عليهم التكيف معهما حتى في الامور البسيطة كاللبس والعادات، فضلًا عن نمط التدين والأفكار. هذه المطالبات تُشعر الناس الذين ينتمون إلى تجارب تاريخية او اجتماعية مختلفة بأنهم مطالبون بأشياء غير مقنعة أو غير مهمة عندهم أو حتى غريبة عنهم، وهنا تحدث الفجوة بين الجماعتين. نتج عن ذلك ما يظن الشيعة انه تمييز في بعض الوظائف والفرص المتاحة في المجال العام على سبيل المثال. ما يخص النوع الاول من المشكلات فلا أرى فرقًا بين الشيعة وغيرهم. قضايا مثل التنمية وتوزيع الموارد والبطالة وأمثالها موجودة في كل مناطق المملكة من دون فرق.

مواقف ضبابية

يتهم مثقفو الشيعة بأن مواقفهم ضبابية. فحينما اعدم نمر النمر، لم نجد مقالات أو تغريدات تتكلم عن هذا الحدث.. وعاصفة الحزم كذلك؟

هذه تهمة محقة. أنا ايضا ألاحظ هذا الشيء. عند اعدام الشيخ نمر النمر مثلًا، لم يكتب أحد من الشيعة شيئًا، بمن فيهم الذين كانوا يعارضون منهجه وافكاره. أنا شخصيًا لم اكتب شيئًا، لا سلبًا ولا ايجابًا. التفسير المعقول لهذا هو تحول الهوية المذهبية إلى عامل ناشط في السياسة، خصوصًا مع حال الانقسام والاستقطاب الطائفي الشديد في البلد والمنطقة بشكل عام.

كتبت في صفحتك على فايسبوك أن القطيف تعاني من أبنائها الدواعش الذين يحملون السلاح ويرعبون كل من يختلف معهم. ما المقصود في ذلك؟

قصدت بهذا التنديد الذين يحملون السلاح ويستعملونه أو يدعون إلى ذلك، سواءً كانوا من الشيعة أم من غيرهم. لم اقصد في هذه الكتابة جماعة داعش المعروفة، بل استعملتها كرمز للاشارة إلى الايمان بالسلاح كأداة مؤثرة في العلاقات بين الناس او في السياسة، ذلك أني لا اهتم بالافكار أو المنطلقات النظرية التي تؤمن بها داعش أو تدعو اليها. ما يهمني فقط هو طريقتها في تطبيق تلك الافكار، بالسلم أم بالقوة... هل تعرضها على الناس أم تفرضها عليهم؟ مأخذنا الرئيس على داعش هو استعمالها السلاح في كل اعمالها، وقهرها الناس بالقوة المادية العارية لا بالفكر أو القناعة. كل من اتخذ ذلك المنهج هو وداعش سواء، بغض النظر عن مذهبه أو دينه أو مبرراته. كتبت تكرارًا انه لا يجوز حمل السلاح او استعماله في أي بلد إلا للدولة. واعتقد أنه لا يجوز استعمال السلاح في السياسة حتى ضد الدولة الظالمة او الفاسدة. بعبارة أخرى، أنا ضد حمل السلاح والتفكير به ورفعه مطلقًا حتى للدفاع عن النفس. اعتقد أن العمل الإجتماعي والسياسي غير السلمي يجب أن يحال للعدالة. نعارض داعش لا بسبب تكفيرهم غيرهم من الناس، بل بسبب حملهم السلاح وتهديدهم الناس وقتلهم به.

القطيف متوترة والأحساء ساكنة، وكلتاهما شيعيتان. لماذا؟

«ضاحكًا» قد يكون الناس في الاحساء أكثر طيبة ً ولينًا، أو لأن الافق العام مختلف بين القطيف والأحساء، وهذا تعبير آخر لما سمّاه الفيلسوف الالماني مارتن هايدغر ”الافق التاريخي“، أي مجموع التجربة التاريخية والمعطيات الفعلية الناشطة التي تساهم في تشكيل ذهنية المجتمع ورؤيته الراهنة لذاته والعالم. نعلم أن الصراعات تولد بسبب نمو الاقتصاد والثقافة، حين تكون حياة الإنسان محصورة في قريته مثلاً، يومياته محصورة بين مزرعته وبيته، فلن يفكر في الصراعات ولن يجد نفسه جزءًا منها. يبدأ الإنسان بالتفكير في مواقفه من الصراعات القائمة حين يعيش في المدينة، أي في مجتمع يمر بمرحلة نمو اقتصادي واجتماعي تزيد فيه نسبة التوتر وتتسع الصراعات الاجتماعية والسياسية وغيرها.

سعودي أولًا

ذكرت في أثناء لقائك بالملك فهد في عام 1993، انه كانت هناك مطالب لعلماء ومثقفي الشيعة، وتكررت هذه المطالب في ما بعد، وتتلخص بإندماج الشيعة في الإطار السياسي الوطني. ما جديد هذه المطالب؟

وضعنا هذه المطالب في اطار مشروع عمل مقترح، وعرضناها على الراحلين الملك عبدالله بن عبدالعزيز والأمير سلطان بن عبدالعزيز، كما عرضناها على خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان في أثناء توليه إمارة الرياض. أذكر في اجتماعنا مع الأمير سلطان انه قرأ المشروع المكتوب أكثر من عشر دقائق، ثم قال مستغربًا: لم لا تُقبل هذه المطالب؟ نادى مدير مكتبه وأمره أن يسلم الخطاب لشخص آخر لا اذكر اسمه الآن كي يكتب له ملاحظاته ويعيده خلال يومين. بعد أسبوع تقريبًا، تلقينا اتصالاً من مدير مكتب الامير يبلغنا أنه مهتم جدًا بالموضوع، وسيأتيكم جوابه خلال أيام. لكن مشيئة الله سابقة: سافر إلى أميركا للعلاج قبل وفاته. فكرة هذا المشروع باختصار هي أن اختلاف المذاهب أصبح عاملًا معيقًا وسببًا للتباعد بين المجتمعين السني والشيعي، وبين الشيعة والدولة، لذا تضمن مقترحات محددة عن كيفية نزع العامل المذهبي من العلاقة بين الطرفين، بحيث يكون الشيعي السعودي سعوديًا أولًا واخيرًا، في أنفس الشيعة ذاتهم وعند الحكومة. هذه فكرة المشروع باختصار.

ذكرت أن الإختلافات المذهبية والعقائدية بين المذهبين الشيعي والسني غير مهمة لأن الخلاف عاطفي أكثر مما هو مذهبي.. فهل من توضيح؟

تحول المذهب إلى مشكلة في السعودية بسبب تضخم الثقافة الدينية. المؤسف أن الدين كان عنصر جمع وإلفة بين الناس، وتحول إلى عنصر افتراق. اصبح الدين عاملًا للتمايز، ونشأت طبقات دينية، وتحول المجتمع بسبب العوامل الدينية إلى ”فضاءات منفصلة“ بحسب تعبير ستيفان لاكروا في كتابه ”زمن الصحوة“. تنقسم المجتمعات الطبيعية على أساس المهنة والمصالح «التجار والكتّاب والمهندسون والصحافيون» أو تنقسم طبقيًا «طبقة وسطى وعليا وعاملة». اما عندنا فالانقسام ديني أو مذهبي. ترانا نتحدث فقط عن شيعة وسنة وصوفية وسلفية، وعن جامية واخوان وسرورية. ولّد هذا الانقسام الاجتماعي علاقة منحرفة تميل إلى التحزب والعداوة بل التفاعل والمشاركة.

هل التقارب الشيعي - السني معقد إلى هذه الدرجة؟

أظن أن مشروع التقارب السني الشيعي ذهب في الطريق الخطأ. من ذلك مثلًا أن مشروع الحوار الوطني حصر فكرة الحوار في العلاقة بين المشايخ، فجمع شيوخ السنة والشيعة والسلفية والصوفية، وقال لهم تفاهموا. هل نعتقد حقيقة أن الشعب السعودي متمثل في المشايخ وحدهم؟ قطعًا لا. كان الاصلح أن يتمثل المجتمع بممثليه الفعليين، أي ممثلي التيارات والحرف والمصالح. الحوار الوطني الصحيح هو الذي ينظر إلى مكونات الوطن كما هي، وليس كفضاءات مذهبية منفصلة. اود الاشارة إلى نقطة تتردد كثيرًا بين الكتاب والصحافيين والإعلاميين، وهي فكرة ”التعايش بين الشيعة والسنة“. عارضتها سابقًا لأنني اعرف أن التعايش يُدعى إليه حين تكون الاطراف المدعوة منخرطة في صراع أهلي. اما نحن السعوديين فأهل وطن، تجمعنا علاقة المواطنة، وهي علاقة قانونية قائمة فعلًا. كما تجمعنا شراكة المصالح والاقتصاد ومصادر العيش. فلماذا نحتاج إلى التفكير بالتقارب والتعايش؟ دعونا نتكلم ونفكر بالقانون. القانون هو الذي يمنع الشيعي من العدوان على جاره السني، وهو الذي يردع السني من البغي على الصوفي. فالقانون يهذب الأخلاق، لأن الإنسان عندما يخاف من القانون يضطر إلى البحث عن تبرير لخوفه، فيستحضر الأخلاقيات الجيدة، ثم يعتادها. نحتاج إلى ترسيخ الشعور بأننا سعوديون أولًا واخيرًا. وهذا يعني تأكيد العمق القانوني لمبدأ المواطنة، هذا هو حل المشكلة الدينية المذهبية باختصار.

بعض المثقفين يتهمون المعارضين الشيعة بنسج علاقة مع ايران.

أظن هذا مبالغة بل غير صحيح. يميل الانسان غريزيًا إلى البحث عن حال مطمئن. الشيعي المعارض قد يشعر بالاطمئنان في ايران فيذهب اليها، مثلما يشعر السني المعارض بالاطمئنان في تركيا مثلًا فيذهب اليها. ثمة عشرات من المواطنين السعوديين - من تيار الاخوان خصوصًا - هربوا إلى تركيا بعدما شعروا بالتضييق السياسي في المملكة. وبينهم مثلًا الشخص الذي قلت سابقًا انه وصفني بالطائفي والمرتبط بايران. وبعضهم ذهب إلى أوروبا والولايات المتحدة. فهل نعتبر هذا خطأ؟ الاخوان المسلمون الذين اقاموا في المملكة بعدما قُمعوا في مصر والعراق وسوريا، هل يعتبرون خونة لأوطانهم لانهم تعاملوا مع دولة اخرى؟ في رأيي لا، لأن السعي إلى الامان والاطمئنان ميل طبيعي عند البشر. حين كان الاخوان حكامًا في مصر ايام مرسي، ذهب كثير من المشايخ والحركيين السعوديين واقاموا المؤتمرات، وبعضهم قرر الإقامة هناك. لو بقي الإخوان في السلطة لوجدت كثيرًا من هؤلاء في القاهرة، فهل نعتبر كل هؤلاء عملاء ومأجورين لمصر أو لتركيا او للولايات المتحدة؟

خلاصة القول إني لا أرى المعارضين الذين تركوا البلد، سواءً كانوا شيعة أم سنة، عملاء لدول أخرى لمجرد انهم اقاموا فيها أو تعاملوا معها. أعرف معارضين سعوديين، سنة وشيعة، متدينين وضد الدين، رفضوا محاولات جادة من دول قريبة وبعيدة، للانخراط في مشروعات سياسية ضد المملكة، خشية أن يتحولوا من معارضين لسياسات حكومتهم إلى عاملين على هدم وطنهم، وهذه فضيلة تحسب للمعارضين السعوديين.

مبسوط اليد

ما رأيك بالتعليم والمناهج في السعودية؟ كيف يمكن لهذا التعليم أن يساهم في وأد التمييز بين المذهبين؟

قالت العرب قديمًا ”المرء عدو ما جهل“، أي يتوجس الإنسان في العادة من الغرباء والأشياء الغريبة، وهذا المقصود بالاية المباركة ﴿وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا، التي تدعو للتعرف والتعارف مع المختلفين. أذكر تجربة واقعية شهدتها في المدرسة الإبتدائية التي درست فيها ابنتي في شمال غرب لندن. كانت المدرسة تحتفل بجميع الأعياد الدينية والقومية لطلابها، وكان لديهم احتفال سنوي بعيدي الفطر والأضحى والميلاد المسيحي والديوالي الهندي والغفران اليهودي. في هذه المناسبات، يُدعى متحدث من أصحاب الدين المحتفى به ليتحدث للطلبة عن معنى العيد عندهم، وكيف يقضونه وماذا يأكلون فيه ويلبسون. وكانت المدرسة تطلب من الطلاب الذين يُحتفل بعيدهم أن يرتدوا في ذلك اليوم ملابسهم الوطنية، كما تقام مأدبة تقدم فيها أكلاتهم الوطنية. كل ذلك من اجل تعزيز التعارف بين الطلبة. ابنتي الآن في الجامعة ولديها صديقات من ديانات وأجناس مختلفة، ولا أذكر أنها تحدثت يومًا عن صديقة ”هندوسية“ أو ”سوداء“ أو ”نصرانية“، بل كانت تذكر اسماءهم فحسب. واعلم انهم ما زالوا يرتبطون بصداقة عميقة على الرغم من مرور عقد من الزمن على تخرجهم من تلك المدرسة.

هل للمرجعية الدينية عند الشيعة دور في تحديد مستوى العلاقة بين المواطن والحكومة؟ هل العلاقة بها مؤثرة، أم أن ما تقدمه الحكومة للمواطن هو المعيار؟

علاقة الشيعة بمراجع الدين من القضايا التي خاض فيها بعض المشايخ في بلادنا، بناء على تصورات ذهنية خاطئة، لا علاقة لها بالواقع، وألاحظ انعكاساتها باستمرار، خصوصًا في مواقع التواصل الاجتماعي وفي أحاديثي مع بعضهم. أظن أن سبب هذا الموقف الانطباعي أن قراءاتهم مقتصرة على ما يألفونه لغة أو توجهًا. إنهم لا يقرأون «للأسف» ما يخالف ميولهم أو يستفز عقولهم. أذكر أني عاتبت احدهم وكنت في مجلسه، فقال لي انه يحتفظ بعشرات من كتب الشيعة، وحين دخلنا مكتبته لم أجد سوى أربعة كتب قديمة، اما التي كان يشير اليها بالعشرات فهي ما كتبه أعداء الشيعة عن الشيعة. ابديت له هذه الملاحظة في وقتها واخبرته انني قرأت مئات من كتب الاخوان والسلفيين وقدامى الفقهاء، وقرأت سيرهم، والتقيت بعشرات من علماء السنة المعاصرين وكتبت عنهم واستشهد بهم في كتاباتي، ولي مع الكثير منهم صداقة عميقة.

بعد هذا الاستطراد اقول أن الدور الفعلي للمرجع الديني عند الشيعة محصور في الشؤون الروحية. وهو لا يتدخل في أمور السياسة إلا إذا كان ”مبسوط اليد“ بحسب التعبير الفقهي، أي صاحب سلطة أو مدعوًا من قبل أصحاب السلطة لإبداء الرأي. من هنا، الفقيه الذي لا يتدخل في الامور السياسية في بلد ما لا يكون مبسوط اليد فيه، وإذا تدخل فطاعته غير واجبة. فلو أن آية الله السيستاني مثلا أصدر أمرًا لأهل القطيف يتعلق بأمور سياسية، فليس من واجب أهل القطيف طاعة هذا الامر ولا يأثمون لو خالفوه.

في إيران

وما الوضع في إيران على هذا الصعيد؟

الوضع مختلف في ايران، فالولي الفقيه فيها حاكم مبسوط اليد ضمن حدود ايران، وله سلطة كاملة بحكم الدستور. لكن سلطته لا تتعدى حدود هذا البلد. يهمني هنا الاشارة إلى أننا نتحدث في المستوى الفقهي، أي اوامر الفقيه التي يجب شرعًا طاعتها وتحرم مخالفتها، ولا نعني الآراء الفقهية أو الفتاوى العامة التي قد يريد شخص أو مجموعة اشخاص التزامها بغض النظر عن حكم الفقيه في قضية خاصة او علاقته ببلد بعينه. كما أن هذا لا يعني رجال السياسة الذين يحملون ألقابًا دينية، فآراؤهم ومواقفهم لا تعتبر دينية بالمعنى الدقيق.

ومن يقرأ البحوث الفقهية لمراجع الشيعة القدامى والمعاصرين، أو يدرس تاريخهم، فسيلحظ أنه لم يسبق لأحد منهم أن أصدر ”حكمًا“ في قضايا سياسية خارج حدود ايران. و”الحكم“ في الوصف الفقهي غير الفتوى وغير الارشاد العمومي، وهو موضوع النقاش، اما الفتوى والارشاد فليسا موضوعين للنقاش، لانهما في الاصل ليسا مما يجب على عموم الناس.

في مقالته ”فرصة تاريخية للشيعة“، تحدث المفكر منصور النقيدان عن بعد التفجيرات التي قامت بها داعش في المنطقة الشرقية، وقيام الحكومة للمرة الأولى بترميم احد مساجد الشيعة، وتسمية قتلى هذه الإنفجارات بالشهداء وذكر النقيدان أن هناك فرصة كبيرة أمام وجهاء الشيعة ومثقفيهم كي يأخذوا زمام المبادرة ويتحلوا بالشجاعة والحكمة لحماية اليافعين والشباب من الإنزلاق في مهاوي الإرهاب؟

لا أرى أن هناك حدثًا استثنائيًا يستدعي رد فعل استثنائياً. لكن الدعوة إلى الهدوء تتكرر في جميع أحاديث المشايخ، سواءً في المساجد أم في المجالس. لكن إذا أردنا أن نكون منصفين فإن حل المشكلات المزمنة يحتاج إلى مبادرة كبيرة تقدمها الحكومة، لأنها هي التي تختار عادة من تريد مناقشته، من الشيعة او غيرهم. كما ينبغي تحديد الأمور التي ستناقش حتى تتضح حدود النقاش ومساراته.

تجربتك الحياتية ثرية ومليئة بنقاط التحول. ما أهمها؟

أول نقطة تحول في حياتي هي النجف، فهذا أول بلد زرته في حياتي. سافرت إليه وعمري 13 سنة. النجف مدينة متنوعة فيها ناس من كل أقطار الأرض. هناك شاهدت للمرة الاولى اناسًا من الصين وافريقيا وسائر الاقوام. لهذا ما زلت أتذكر حتى الأشياء الحياتية البسيطة والتفاصيل الصغيرة كالشوارع والمحلات وغيرها، بل حتى اسعار الجبنة والخضروات يومذاك. المرحلة الثانية المهمة في حياتي التي أثرت فيّ بعمق هي حرب الخليج عام 1990. وقتها كنت في بريطانيا. كنت أسأل نفسي: هل ولاية الفقيه هي النظام الذي يحقق العدل والحرية والإطمئنان؟ بعد حرب الخليج بدأت القراءة بشكل واسع جدًا حول هذا الموضوع في التراث وفي الفقه، وتكوّن عندي ايمان عميق بأن الحرية أول شيء في الوجود، قبل الدين وقبل السياسة. وبفضل هذه القراءات، انصب اهتمامي على تطوير نظريتي عن نظام سياسي ديموقراطي متلائم مع قيم الدين. وهذا ما يشغلني حتى الآن.

إسلام جديد

قلت إن الإسلام بحاجة إلى تقديم نفسه من جديد، أي نحتاج اسلامًا ملائمًا لهذا العصر. أي إسلام؟

هذا جزء من رؤية حول طبيعة الدين، سبق أن تحدثت عنها في مقالاتي المنشورة، وخلاصتها أن الإسلام ليس خاصًا بالمسلمين فقط، بل هو ملك البشرية جمعاء، كما قال تعالى ﴿قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا. وبالتالي، كل البشر شركاء في التجربة الدينية. فمن حق أي انسان حتى لو كان غير مسلم أن يقدم رؤيته الدينية، وعلينا أن نتعامل معها كجزء من التجربة الدينية إذا كانت تساهم في تحقيق غرض الخلق والرسالة التي حددها القرآن في قوله تعالى ﴿هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها، أي امركم بعمارتها. فإذا جاء شخص مثل ستيف جوبز وقدم شيئًا يسهم في عمران الأرض ورفع مستوى البشرية، فأنا أعتبره جزءًا من منظومة عمران الأرض واستجابة لأمر الله، وبالتالي هو جزء من التجربة الدينية، وله قيمة دينية، بمعنى انه يصنف واحدًا من الطيبات عند الله وعند خلق الله. وعلى مستوى تجديد الفقه، قدمت اقتراحًا بتغيير مسار الاجتهاد ليبدأ من الكلّي الثابت إلى التفاصيل الفرعية المتغيرة. في الوقت الراهن، يستنبط الفقيه أحكامه وفتاواه انطلاقًا من الاسئلة التي توجه اليه في القضايا الفرعية. وارى كثيرًا من أجوبة المسائل الفرعية متعارضة مع المنظور الكلي للدين. لهذا يتساءل الناس: هل يُعقل أن يمنع الاسلام المرأة من قيادة سيارة أو من تولي الوزارة؟ أليست قيمة العدل والمساواة أساسية في الدين وحاكمة على فروعه؟ ومثلها الفتاوى التي تدعو إلى حجب حرية التفكير والتعبير والكتابة. كيف تنسجم هذه الفتاوى مع ”حفظ العقل“، احد المقاصد العليا للتشريع؟ كيف يمكن حفظ العقل من دون حرية تفكير ومن دون حرية تدفق المعلومات والنقد والنقاش المفتوح؟ وكذا الاحكام الخاصة بتداول المال والبنوك.

وما اقتراحك في هذا الأمر؟

اقترحت تغيير مسار الاجتهاد بحيث يبدأ من تعريف مقاصد الشريعة، أي الاغراض التي من اجلها شرع الدين. وقال قدامى الفقهاء إنها ضروريات خمس تتلخص في ”حفظ النفوس والأموال والأعراض والعقول والأديان“. ثم نضع امامنا اسئلة مثل ما هي الوسائل التي تؤدي إلى حفظ هذه الضروريات؟ وما هي العوامل التي تؤدي إلى اضعافها او تدميرها؟ وبناء على تشخيصنا تلك العوامل، نضع السياسات العامة والاحكام الفردية. فكل ما يؤدي إلى حفظ المقاصد الخمسة يأخذ حكم الواجب او المستحب، وكل ما يؤدي إلى إضعافها يأخذ حكم الحرام أو المكروه. ولو اتبعنا هذه الطريقة فنجد ضمان حرية الاعتقاد والتفكير والتعبير في قائمة الواجبات، ومثلها الاستثمار في التنمية والصناعة وانتاج العلم، ومثلها التفاعل والعمل مع أمم العالم غير المسلمة من أجل صيانة البيئة الكونية واجتثاث الفقر ومكافحة الأوبئة. خلاصة القول إننا بحاجة إلى فهم جديد للدين، منسجم مع الافق التاريخي لعالم اليوم، فهم يجعلنا أكثر قدرة على المساهمة في عمران الأرض وصناعة مستقبل العالم.

كلمة اخيرة

 اشكرك شخصيا واشكر الاعزاء في ايلاف، سيما اخي الكبير الاستاذ عثمان العمير الذي احتفظ له بالكثير من الود والذكريات الطيبة، وأشعر ان ابتعاده عن الشأن العام خسارة للبلد، فهو من نوع الاشخاص الذين يدركون عمق القضايا ونهاياتها، ولا يتوقفون عند السطح، ولا يؤخذون بمظاهر الاشياء.