آخر تحديث: 27 / 3 / 2017م - 12:48 ص  بتوقيت مكة المكرمة

آل حبيل: حملت لواء العلم بين عدد من مدن المملكة وسلطنة عمان

جهينة الإخبارية حوار: سلمان العيد - المصدر: مجلة الخط - العدد 64
  • عشت فترات حياتي الأولى يتيم الأب وعملت ليلا ونهارا
  • حضوري لدى الملا عبدالكريم الطويل نقلني للصف الثاني مباشرة
  • حب المعلمين جعلني أتميز في بعض المواد كالجغرافيا واللغة العربية
  • احترفت التعليم وانتقلت بين مدراس الشرقية وتمت إعارتي للتعليم في عمان
  • لكي يتميز المعلم عليه أن يكون مكتبة متنقلة
  • أدعو لإعادة مادة التربية الوطنية ومادة المجتمع العربي
  • اقترح إجراء اختبار خاص للوكلاء حتى يكونوا مدراء
  • لتطوير التعليم أوصي بجعل درجات السلوك ضمن التقييم النهائي لطلاب الثانوية

يبقى الحديث عن العلم والتعليم جميلا ورائعا، مثل الحديث عن الحب والجمال، فكلاهما يحقق للإنسان حاجته الوجدانية، ويرفع من قيمته في هذا الكون، ويحدد الفوارق الكبيرة بين الأنسان كمخلوق عن باقي مخلوقات الله الأخرى.. لذلك فإن الحديث مع المتخصص يحقق الغرض، ويوفر المطلوب..

من هنا كان لنا في «الخط» حوار مع أحد المربين الأفاضل ممن قضى جل عمره في التعليم، منتقلا من مدرسة إلى مدرسة في المملكة وفي سلطنة عمان، وكانت لديه خبرة طويلة في ادارة المدارس، ليس للطلاب الأسوياء في المراحل المختلفة، بل كان قد عمل مساعدا لإدارة مرفق تعليمي يقدم خدمة لفئة المكفوفين. بالتالي فإننا أمام تجربة تعليمية فذة يعرضها لنا الأستاذ المربي الفاضل هلال بن عيسى آل احبيل في الحوار التالي:

في البداية نود التعرف على شخصكم الكريم، وكيف كانت النشأة والتربية؟

أنا هلال بن عيسى بن سلمان آل احبيل من مواليد تاروت «بجزيرة تاروت» وكانت ولادتي حسب الأوراق الرسمية في العام 1365 ه ترّبيت في كنف والدي يرحمه الله إلى أن بلغت سن الثانية عشرة فقط، إذ انتقل إلى رحمة الله فعشت يتيم الأب، وتولّت أمر تربيتي والدتي يرحمها الله، فأنا وحيدها، التحقت بالمعلّم «أو الكتّاب» وتعلّمت القرآن عند الملا عبد الكريم الطويل يرحمه الله، في منطقة الجوابير ضمن حي النجيمة بتاروت، ولمدة ستة أشهر وبقيت معه حتى انتقل الى الديرة حينما اشترى منزل الحاج على ال سنان، وكان من زملاء المعلّم كل من الملا احمد الوحيد «ابو ياسر» ، والملا عبد الرسول البصاري «ابو أحمد يرحمه الله» ، وفي تلك الفترة وقبل وفاة الوالد تتلمذت على يد الخطيب الملا عبد الله المبشر، فالوالدة كانت تتطلع لأن أكون خطيبا، وبقيت معه لمدة 8 أشهر، ولكن الوفاة المفاجئة للوالد أوقفت هذا المشروع، لأن الوالدة غادرت تاروت إلى بيت الخال بالقطيف وكنت برفقتها، وقد درست فصلا دراسيا في مدرسة القطيف الأولى «البحر سابقا، الحسين لاحقا» ، ثم عدت الى تاروت مع عودة الوالدة.

ماذا عن الدراسة النظامية؟

التحقت بمدرسة تاروت الابتدائية، أو ما يطلق عليها مدرسة الغالي الواقعة على الطريق المؤدي إلى المقبرة، وذلك في العام الذي توفي فيه والدي «1377 هـ » وكنت في أول سنة دراسية تشهدها تلك المدرسة، والتحقت مباشرة بالصف الثاني الابتدائي، ذلك بموجب النظام الذي يسمح بأن يخضع الطالب لامتحان مستوى يحدد من خلاله الصف الذي يليق به، فالتحقت بالصف الثاني، لأني جئت وقد درست القرآن، ولدي القدرة على القراءة، وتعلّمت شيئا من الحساب، ولم يكن اختبار المستوى يتعدى ثلاث سور من القرآن وثلاثة مواضيع من المطالعة وثلاث مسائل من الحساب، وأتذكر بأن مدير المدرسة الأستاذ احمد سالم ومعه الرجل القوي الأستاذ احمد الجار.. أنهيت الابتدائية في العام 1384ه مع العلم بأني تركت المدرسة في الصف الرابع نتيجة خلاف مع أحد المدرسين، لكني عدت لها في العام 1380 1381 ه وحصلت على الشهادة الابتدائية ، وكان ذلك أول اختبار لجنة في مدرسة تاروت الابتدائية، بخلاف العادة المتبعة إذ أن الأسئلة والرقابة كانت تأتي من إدارة التعليم.

ومن كان من زملاء الدراسة في تلك المرحلة، وأين كانت وجهتك بعد الابتدائية؟

لعلي أتذكر عددا من زملاء المدرسة ومنهم رفيق العمر الدكتور احمد الزاير «يرحمه الله» ، والسيد هاشم عدنان، ومحمد حسن التركي، وحبيب آل زرع، ومحمد حسن الصفار «ابو عماد» ، وعلى منصور الصادق «ابو صادق» وغيرهم.. التحقت بعد الابتدائية بمدرسة تاروت المتوسطة على طريق دارين، وأنهيت المرحلة المتوسطة في العام 85 1386 ه بعدها التحقت بوظيفة في دائرة «مبرقات الدمام» ، وهي الأساس للهاتف السعودي فيما بعد كموظف في الفترة المسائية، وقد بقيت فيها لمدة ثلاث سنوات، كنت فيها طالبا منتظما ب «معهد المعلّمين» في الفترة الصباحية، كنت ادرس في النهار وأعمل في الليل، مما اضطرني لأن أسكن في الدمام لفترة زمنية ليست طويلة، حتى تخرّجت من المعهد في العام 1389 1390 هـ وأصبحت بتوفيق الله مؤهلا للقيام بمهمة التدريس.

والتحقت بعدها بالتدريس.. كيف كان وفي أي المواقع؟

أول تعيين لي في السلك التعليمي كان في العام 90 1391 هـ في راس تنورة وتحديدا في مدرسة ابن القيم المسائية، وكنت معلّما للمرحلالابتدائية في مادتي اللغة العربية والرياضيات وبقيت بها ثلاث سنوات، وفي العام 92 1393 هـ انتقلت إلى الدمام للتعليم في مدرسة عثمان بن عفان، ثم التحقت بمدرسة زين العابدين في القطيف في العام 94 1395 هـ كمعلّم في البداية قبل أن أصبح وكيلا عام 1395 هـ ثم انتقلت كمدير لمدرسة جعفر الصادق عام 1399 1400 هـ ثم توجهت إلى سلطنة عمان في مدينة صحار ضمن برنامج التعاون العلمي بين المملكة والسلطنة، وبقيت هناك في مدرسة أحمد بمن سعيد الابتدائية، ثم انتقلت إلى مدرسة خلفان السيابي، وبقيت فيها معلما لمادتي الاجتماعيات واللغة العربية للفصول العليا حتى نهاية فترة إعارتي في العام 1404 هـ ثم عدت إلى المملكة والتحقت بمعهد النور في موسم 1404 1405 ه وكيلا ومساعدا للمدير عبدالرؤوف عبدالواحد «وقد كان كفيفا» ، ثم توجهت الى مدرسة ابي ذر بالقطيف مديرا ثم وكيلا، ثم نقلت الى مدرسة ذات الصواري، وبعدها استلمت إدارة مدرسة ابي موسى الأشعري في الدخل المحدود 1411 هـ ثم في مدرسة الجزيرة بالمزروع «حي الرضا» مديرا لمدة 13 سنة متواصلة حتى التقاعد 1/7/1425 هـ .. تلك هي خلاصة مسيرتي في التعليم مع ملاحظة بأنني وخلال الفترة التي التحقت بالتدريس في مدرسة زين العابدين في الفترة المسائية كنت أعمل معقبا في الدوائر الحكومية خلال الفترة الصباحية مع مكتب نصر الشيخ، وفي بعض الفترات كنت أواظب في التدريس صباحا وأدرّس في فرع الدفاع المدني ليلا وقد استمر هذا الوضع خمس سنوات..



على ضوء هذه المسيرة التعليمية والتربوية ما هو المبدأ التي سرت عليه كمعلم، هل هو التربية أولا، أم التعليم أولا؟

العملية التعليمية صعبة، وحتى يحقق المعلم رسالته بشكل سليم لابد أن تكون علاقته مميزة مع زملائه المعلمين، ومع طلابه باعتباره أبا لهم، فهو قبل أن يكون معلما عليه أن يشعر طلابه بروح الأبوة، فالطالب إذا أحب معلّمه أحب مادته العلمية، فيتميّز فيها، فأنا حينما كنت طالبا في المرحلة الابتدائية احببت مادة الاجتماعيات لوجود معلم مصري يدعى محمد البارودي «ابو مصطفى» ، لأن تعليمه يتسم بالوضوح، ولأنه يتسم بالعلم والاطلاع الواسع ولا يعتمد على ما يحتويه المقرّر، وكان يتعامل معي كإبن له، وكان قد وثق بي بأن أذاكر مع أحد أبنائه، كذلك الحال في المرحلة المتوسطة كان لدي أكثر من استاذ متميز جعلني أحب المواد التي كانوا يدرسونها مثل الأستاذ عدنان شرف في الاجتماعيات، والاستاذ مختار وهو مدرس سوداني في التاريخ، والاستاذ فهيد القصير مدرس الجغرافيا، والاستاذ محمد عووضة مدرس اللغة العربية، هؤلاء وغيرهم جعلوني أحب الدراسة وأحب العلم، فمنهم اعتمدت اسلوب التربية قبل التعليم، وفيما بعد شهدت عددا من المدرسين ممن جاؤوا بعدي، وصاروا تحت إدارتي فهم متميزون في عطائهم العلمي والتربوي ومنهم الاساتذة «محمد حسن العلق، نذير السنان، رائد محمد حسين، مكي العباس، غسان الوحيد» ، الشاهد من كل ذلك أن علاقة الطالب مع المدرس لها دور كبير في العملية التربوية والتعليمية، فأنا تعاملت وفق هذا المبدأ حتى وإن مارست القسوة بعض الشيء على بعض الطلاب.. أما العلاقة مع المعلّمين فهي مسألة أساسية لنجاح أي معلّم.

وماذا كنت تعمل حتى كانت علاقاتك مع الطلاب جيدة، والتي ساعدتك على أداء دورك في التعليم؟

رغم القسوة التي مارستها ضد بعض الطلاب، إلا أنها قسوة محبة وأبوة، فأنا حتى أجعل علاقاتي مع الطلّاب جيّدة اجتمع معهم والتقى مع اولياء أمورهم، واسألهم عن شؤونهم، فالبعض من انسجامه معي كان يفضي إلي بما يجيش بخاطره، وبما يعتمل في داخله، وأنا بدوري أتيح المجال للطالب كي يعبر عن رأيه، حتى لو كان الأمر غير متوافق معي، وأستطيع القول بأننا بتوفيق الله أنا وبرفقة زملائي المعلمين والإداريين جعلنا من مدرسة الجزيرة نموذجية، لدرجة أن الطلاب من حبهم للمدرسة كانوا لا يغيبون إلا نادرا، وكانت تصدر من المدرسة مجلة يتم توزيعها على كافة المدارس وكافة الدوائر الحكومية، خصوصا تلك الدوائر ذات العلاقة بالتعليم، وكانت المدرسة تتلقى خطابات شكر وتقدير لما يتضمنه هذا الإصدار.



تطرقتم قبل قليل إلى المدارس المتميزة، ما سر هذا التميز الذي تتصف به المدارس وتفتقده المدارس الأخرى؟

وفي الحقيقة إن نجاح أي مدرسة في أداء دورها يعتمد في الغالب على شخص المدير وطريقة عمله، فمن خلال شخص المدير يتم رفع المستوى وإحداث التطوير، وذلك يظهر في علاقة المدير مع زملائه المعلمين، وعلاقته أيضا مع أولياء الأمور، وعلاقته بالطلاب، وأظن أن من الخطأ سحب صلاحيات المدير، فهذا أدى إلى حدوث نتائج سلبية ليسن في صالح التعليم من الأصل، فالمدير الذي يشرف على عدد كبير من المدرسين والطلبة يتحتم عليه أن يكون على معرفة تامة باللوائح الإدارية والتربوية والمنهجية، وأن يملك ثقافة إدارية واسعة، وأن يملك كذلك صلاحيات واسعة تساعده على أداء مهامه في العملية.. كما أن تميز بعض المدارس تعتمد على الحي الذي تقع فيه، فمثلا مدرسة أبي ذر وقت التحاقي بها كانت في حي راق وهو حي البحر، فكانوا يرفضون أن يتغيب أولادهم تحت أي ظرف، بعكس بعض الأحياء الذين يشجعون أولادهم على بعض السلوكيات الخاطئة في العلاقة مع المدارس دون أن يشعروا..

المدرسة والمنزل، أيهما الأولى بتحمل مسؤولية التعليم؟

في وقت ما كانت المدرسة هي كل شيء، ولذلك الزمن ظروفه ومبرراته، فالآباء والأمهات في أمية تامة، ولكن هذا الوضع تغيّر فالأب والأم باتا في وضع تعليمي جيد بل أكثر من جيد، والطالب نفسه حينما يأتي المدرسة كان قد التحق بالروضة قبل ذلك، فهو يملك حصيلة جيدة من العلم، بالتالي فالمنزل بات يقوم بدور أكبر من الدور الذي كان يقوم به في زمن سابق، بل بات المنزل هو الكل في الكل، ولذلك نجد أن المعلم لا يعطي كما يعطي في الزمن السابق، والطالب بات يعتمد على أمه أو على الدروس الخصوصية، وهذا هو الخطأ الفادح، إذ أن من المفروض أن الطالب يتعلم من الصفوف الأولى كيف يعتمد على نفسه في العملية التعليمية، ومع هذا لدينا عينات من المعلّمين مثل الذين ذكرتهم يغنون عن المنزل.

هذا كان مبدؤك في التعليم، لو سألنا الأستاذ هلال عن مبدئه الإداري فماذا يقول؟

المبدأ الإداري الذي اعتمده في إدارة المنشأة التعليمية تسير بمبدأ عدم التفويض في المسؤوليات المعني بها، بمعنى علي أن أقوم بأعمالي بنفسي، ولاأوكلها لأحد غيري، لكنّي مع ذلك أعطي المجال والدور للأطراف الأخرى العاملة في التعليم كالمعلم والمرشد ومعلم التربية الرياضية ورائد النشاط وكافة المعلمين، ويقتصر دوري في هذا المجال على الإشراف والمتابعة والنصح والتشجيع والانتقاد بدون تجريح، وفي حال جاء مدرس جديد فأنا أجتمع معه لمدة نصف ساعة أعطيه نظام المدرسة، ولذلك فعلى الرغم من أن بعض المدرسين جاؤوا من مناطق سعودية أخرى وبعد فترة زمنية معينة عادوا إلى مناطقهم لكنهم لا زالوا يتواصلون معنا، بل أن بعضهم يتمنّى العودة الى تاروت، وكانوا يشاركوننا في كافة مناسباتنا السعيدة والحزينة.. من هنا أقول بأن المدير الناجح هو الذي يتصف بالعدالة في التعامل مع المدرسين وأولياء الأمور والطلاب على حد سواء، وأن تكون لديه خطة عمل يومية، وشهرية وفصلية، يسير بموجبها.

خلال مسيرتك في المجال التعليمي والتي اتسمت بالتنوع والتعدد سواء في المناطق أو في المناهج، ما أبرز المشاكل التي واجهتك؟

لم تواجهني أية مشكلة كمعلم أو كوكيل أو كمدير، لأنني كما قلت قبل قليل بأنني على علاقة جيدة مع أولياء الأمور، ومع الطلاب، ومع المعلّمين، وبعض الطلاب لازالوا يتواصلون معي، ولعل أتذكر من الطلاب الذين درستهم وعلمتهم محافظ القطيف خالد الصفيان فقد درّسته في المرحلة الابتدائية في راس تنورة، وكذلك المقدم محمد على الشهري في الدمام، وخالد بن سعيد المحروس، وفؤاد الدهان «وكلاهما من رجال الأعمال» ، وصلاح نجيم في رحيمة، والدكتور سعيد الريامي، والشيخ محمد الصفار، والشيخ فيصل العوامي وغيرهم، كل ذلك رغم القسوة التي كنت أمارسها ضد الطلاب والمدرسين، واستطيع القول بأني قمت بمسؤوليتي على أكمل وجه، والثواب أرجوه عند الله جل شأنه.

في هذا الصدد يثار سؤال ما أبرز سمات المعلم الناجح؟

يوجد عدد من المعالم الشخصية لدى كل مدرس أو معلم ناجح، لعل أبرزها عدم الاضطراب السلوكي، وامتلاك الثقافة الواسعة، والتحضير الجيّد للمادة العلمية، لأن بعض الطلاب أذكياء وعلى اطلاع قد يكونون أكثر من معلّميهم، فالمعلم في الحقيقة أرض خصبة إذا كانت مثمرة سوف تنتج رطبا جنيا، والمعلم بناء على ذلك ينبغي أن يكون مكتبة متحركة، وأن يكون كثير الاطلاع على اللوائح الجديدة، وعلى ما يستجد في العملية التعليمية، حتى يكون متميزا، خاصة وأنه يتعامل كما سبق القول مع طلاب ومع أولياء أمور على مستوى عال من التعليم والمؤهلات المختلفة، فيجب أن يثقف نفسه بالاطلاع ولا يقتصر على المنهج الذي يدرّسه، لذلك وجدنا أن بعض المعلمين سلبيون لأنهم محدودو الثقافة قليلوا التعليم، ولذا صارت شخصياتهم أمام طلابهم مهزوزة، فالمعلم مثل الطبيب ملزم بمتابعة التطورات والمستجدات في تخصصه، وفي وسائل إيصال المعلومة وغير ذلك.

كانت لكم تجربة لفترة معينة في معهد النور، والتعامل مع المكفوفين، هل لكم أن تحدثونا عن هذه التجربة؟

في البداية اتصل بي مدير معهد النور عبدالرؤوف، وقد كنت رافضا للفكرة، لكنه بإسلوبه وحسن أخلاقه اقنعني بذلك، فالتحقت به، كما كلّمني مسؤول معاهد النور محمد الموسى وشرح لي الوضع، وإن هذا عمل خيري لخدمة عينة من أبناء الوطن، فشجعني ، واتذكر بأني حينما جئت لمعهد النور بالقطيف في العام 1404 كان فارغا، وليس به طلاّب، وقمت بدوري في أحياء هذا المعهد بتشجيع من مدير المعهد، وكان يساعدني الاخ محمد اليوسف مدير المستودع، فقمنا بزيارة البيوت والالتقاء مع عدد من المكفوفين في المنطقة، فجمعنا 25 طالبا، وكان الأخ فؤاد نصر الله «رئيس تحرير مجلة الخط» قد ساعدنا كثيرا في تحقيق هدفنا، حيث أجرى لنا لقاء صحفيا في جريدة اليوم، ونشرت المقابلة نفسها في التلفاز، مما عرّفنا على الناس، وعرّفهم بالمعهد، فاستقطبنا عددا من المكفوفين الذين اصبحوا معلّمين فيما بعد مثل حسن الأحمد، عبدالنبي أبو السعود، فيصل جابر حماد، وشاكر الخنيزي، فأحيينا المعهد، وكان مدير المعهد رجلا سخّيا فمن سخائه كان يدفع لنا مصروف البنزين، وقد كان لدى المعهد 54 مهنيا كانوا جالسين في المعهد بلا عمل، فقمنا بحملة لتوزيعهم على الدوائر الحكومية، وصممنا برامج عديدة في المعهد ونظمنا عددا من الندوات، وبعض خريجي المعهد واصلوا دراساتهم العليا.

ماذا عن التجربة في سلطنة عمان؟

في العام 1400 وحتى 1404 تمت إعارتي للتعليم في سلطنة عمان، فذهبت إلى هناك كمعلم في «صحار» تلك المنطقة التي وجدتها شبيهة بتاروت في كل شيء، فيها البحر والبستنان والصياد والفلاح والعامل، هذا فضلا عن العادات والتقاليد المتشابهة في كل شيء، وهذا الذي شجعني لأن أدخل مع اسرتي مع الاسر والعوائل في صحار، وأقيم علاقات جيدة لا زالت قائمة حتى هذا اليوم، ومنذ العام 1400 إلى الآن وبعد مرور 36 عاما لم أترك عمان فأنا أقصدها في كل عام ثلاث إلى خمس مرّات في السنة، وفي كل مرة أذهب ترافقني زوجتي، وأولادي قبل أن يكبروا ويتحملوا المسؤولية، ولا أقصد السلطنة الا بسيّارتي، وفي نهاية المطاف فقد قمت ببناء منزل لي هناك، انتهيت من إنشاء الهيكل «العظم»..

على ضوء التجربة الكبيرة في العملية التعليمية ماذا تقترح لتحقيق المزيد من النمو في تعليمنا بشكل عام ؟

هناك بعض المقترحات متداخلة مع بعضها اعرضها على شكل نقاط:

بالنسبة للمعلم يجب عليه الاطلاع على اللوائح الجديدة، خصوصا لائحة الامتحانات، وكذلك الحال بالنسبة للمدير،
إعادة مدرسة التربية الوطنية، وكذلك مادة المجتمع العربي التي كنا نأخذها في قسم الأدب العربي،
أرى بأن مدير المدرسة وقبل أن يصبح مديرا أن يخضع لاختبار حقيقي يحدد شخصيته ومدى ملاءمته لموقع مدير مدرسة، واقترح بأن يكون المدير من الوكلاء المتميزين لا من المعلّمين.
بعض المناهج بحاجة إلى إعادة نظر وتطوير
المعلم ينبغي أن يكون تربويا من الأساس.
بالنسبة لولي الأمر لا ينبغي أن يكون سلبيا، بل عليه المتابعة والتواصل مع الإدارة، ولا يعتمد على زوجته في تعليم أولاده، خاصة إذا لم تكن الزوجة مؤهلة.
تنظيم دورات خاصة لوكلاء المدارس، على أن يتم ترشيحهم من قبل مدارسهم، وعدم تعيين أي مدير قبل أن يكون وكيلا مع التشديد على الشخصية أولا
اعتماد درجات السلوك والمواظبة ضمن تقدير الطالب النهائي في المرحلة الثانوية.
واقترح بأن تكون الفصول الأولى من الدراسة الابتدائية تحت اشراف وتعليم معلمات، وهذا معمول به في سلطنة عمان منذ أكثر من 30 عاما.
 الاهتمام بالنشاط المدرسي، وإقامة ندوات شهرية، وإصدار صحف مختلفة، ومسابقات الفصول بين المدارس وغير ذلك من الأنشطة ذات التأثير المباشر على الطلاب.


وكيف الوضع العائلي، هل كان مترافقا معك في هذه الرحلة الممتعة، أم أن كل واحد اتخذ طريقه بنفسه؟

الحمد لله بعد تخرجي من معهد المعلمين اقترنت بزوجتي أم اولادي وهي من عائلة عريقة فهي بنت الحاج علي بن عبدالله الصادق، لدي ثلاث أولاد وثلاث بنات، الأولاد صدقي «مدرس» ، وسعيد «عامل» ، وعيسى «مبتعث في امريكا على وشك الوصول» ، ابتسام «إعلامية في قناة الجزيرة القطرية في القسم الرياضي» ، وداد «مدرسة تربية خاصة» ، سلمى «تدرس طب الطواريء في الأردن على وشك التخرّج». هؤلاء أعظم إنجاز في حياتي.. أنا الآن بعد التقاعد اعيش ما بين وطني الأول تاروت الحبيبة، ووطني الثاني صحار بسلطنة عمان الغالية، التي أنشأت لي فيها بيتا، ولدي عدد من الطلاب والأصدقاء هناك،

ما أبرز هوايات الأستاذ هلال ؟

لدي عدد من الهوايات ابرزها السباحة والقراءة فلدي مكتبة عامرة مبوبة ومرتبة، والكتابة فلدي هواية كتابة الخواطر، ورصد المذكرات اليومية، وكذلك السفر ولكن في حدود معينة لا تتعدى المناطق القريبة منا مثل مصر وسوريا والعراق والهند فضلا عن دول مجلس التعاون الخليجي وتحديدا سلطنة عمان.. كما أن لدي هواية اقتناء الأشياء القديمة والأثرية.

وأين الأستاذ هلال من الحياة الاجتماعية؟

بسبب حرماني من الأخوة، فأنا كما قلت في بداية الحديث وحيد أمي وأبي، لذلك جعلت من المجتمع كلّه أصدقائي وأخواني، وأقرب الناس لي هم الدكتور احمد الزاير يرحمه الله، وهاشم عدنان، ومحمد التركي، وعلى منصور الصادق، ومحمد حسن الصفار «ابو عماد» ، ومن سلطنة عمان الشيخ حمزة الديري والشيخ سلمان الجابري، والشيخ محمد الريامي، والاستاذ حبيب الريامي.. كما أن بعض الطلبة ما زالوا يتواصلون معي.

كلمة أخيرة استاذ ابو صدقي

أتمنى لكل أبنائي الطلاب الأعزاء والطالبات العزيزات متابعة الجد والاجتهاد في الدراسة وعدم الاعتماد على الدروس الخصوصية لأنها تعلم الإنسان الإتكالية وتسير معه في حياته كلها العلميه والعلمية أيضا، وانتهاج السلوك الحسن في المدرسة والبيت والشارع، والابتعاد قليلا عن الجوال وضياع الوقت، وأدعوهم جميعا لتعميق وتحسين علاقاتهم مع معلميهم ومعلماتهم، لتكن الثقة متبادلة بين الجميع.. كما أهيب بالآباء احتواء أبنائهم من وملاحظة سلوكياتهم من جميع الجوانب، وتربيتهم التربية الحسنة، لأنهم أمانة في أعناقهم... كما أهيب بمدير المدرسه أن يكون ملما بجميع اللوائح، وأن يكون أمينا في عمله التربوي والإداري، ويشجع معلميه وطلابه على بذل الجهد والعطاء وأن يكون يقظا داخل المدرسه كي لا تسجل عليه أخطاء وهفوات لأنه رأس الهرم التعليمي.. وفي الختام أشكر مجلة الخط على تهيئة هذا اللقاء الجميل وأخص بالذكر الأستاذ فؤاد نصر الله الذي كان له أيضا دور في إحياء معهد النور خاصة عام1405 ه بتشجيع الأهالي ممن لديهم أولاد كفيفون بالالتحاق بالمعهد عبر تغطيته ومقابلاته مع مدير المعهد آنذاك الأستاذ عبد الرؤوف العبد الواحد ومعي حيث كنت وكيلا أو ما يسمى مساعدا.