آخر تحديث: 12 / 12 / 2019م - 1:02 ص  بتوقيت مكة المكرمة

مرة أخرى.. مؤشرات انبثاق نظام دولي جديد

يوسف مكي صحيفة الوطن السعودية

القاعدة في التاريخ الإنساني هي توزع القوة بين عدد من الإمبراطوريات، حسب ثقلها السياسي والعسكري والاقتصادي. وأيضا قدرتها على اكتساب أراضي الغير، بالاحتلال والقسر، حيث ساد هذا القانون طيلة حقب التاريخ إلى أن ألغي في نهاية العشرينات من القرن المنصرم، بعد إعلان مبادئ الرئيس الأميركي ويلسون، الذي أقر بحق الشعوب في تقرير المصير، وتأسيس عصبة الأمم التي مثلت إرادة المنتصرين في الحرب الكونية الأولى. هكذا كان التاريخ الإنساني دائما وأبدا، تنكفئ قوة وتحل محلها أخرى. ولم يسبق أن تفردت قوة بعينها على مقادير الأمور فوق كوكبنا الأرضي.

ولهذا فحين سقط الاتحاد السوفيتي، في مطالع التسعينات من القرن الماضي، وتربعت الولايات المتحدة الأميركية على عرش الهيمنة العالمية، مجسدة حقبة جديدة في النظام الدولي، عرفت بالأحادية القطبية، اعتبر ذلك استثناء في التاريخ. ولأن ذلك كان استثناء غير متسق مع نواميس الكون، توقع كثير من المحللين السياسيين، ألا تستمر هذه الحقبة طويلا، لسبب بسيط هو أن الذي يحكم العلاقات الدولية هو التنافس وصراع الإرادات، وليس التفاهم المشترك والتراضي بالتوزيع العادل للثروات بين الدول.

وجاءت الأحداث التالية لتؤكد صحة هذه المنطلقات. فالقوة الجديدة العاتية، تصرفت بنشوة وقسوة غير معهودة في تاريخ الدول، وأصبحت تضرب يمنة ويسرة، فارضة هيمنتها على الجميع، بما في ذلك المؤسسات الدولية، ومن ضمنها هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، حيث تحولت هذه المؤسسات إلى أذرع في خدمة المصالح والسياسات الأميركية.

ولم يمض سوى ما يزيد على عقد من الزمن بقليل، إلا وبوادر التمرد على الهيمنة الأميركية، تفصح عن ذاتها بالصعود السياسي الكاسح للاتحاد الأوروبي. وأيضا ببروز فرنسا وألمانيا كقوتين أوروبيتين تنأيان بنفسيهما رويدا رويدا عن السياسة الأميركية. وقد برز ذلك بشكل جلي عند عرض الإدارة الأميركية لمشروع قرار يصدر عن مجلس الأمن الدولي، يجيز استخدام القوة العسكرية بحق العراق، لنزع أسلحة الدمار الشامل من ترسانته العسكرية. وكان معنى ذلك، إعطاء الضوء الأخضر، من قبل مجلس الأمن لأميركا وحلفائها لاحتلال العراق. واعترضت فرنسا في حينه على ذلك، وناصرتها ألمانيا في موقفها. وهدد المندوب الفرنسي باستخدام حق النقض للحيلولة دون صدور قرار دولي يسمح بالعدوان على العراق. وكان الموقف الفرنسي المدعوم بتأييد روسي وصيني قد دفع بالولايات المتحدة الأميركية وحلفائها للتصرف خارج دائرة مجلس الأمن، وبالضد من القانون الدولي وشرعة الأمم، حيث شكل الرئيس الأميركي جورج بوش تحالفه من خارج مجلس الأمن، وبتعاون مع الإدارة البريطانية وإسبانيا وحلفاء آخرين، لكن ذلك على كل حال، قد أكد بما لا يقبل الجدل، نهاية حقبة هيمنة الإدارة الأميركية على المؤسسات الدولية، وبروز قوى قادرة على تحدي هذه الإدارة، وصياغة سياساتها الخاصة، بمعزل عن الهيمنة والأحادية القطبية.

ولا شك، أن غرق الجيش الأميركي في المستنقع العراقي، واندلاع المقاومة منذ الأيام الأولى للاحتلال ضد وجوده، وعجزه عن إدارة البلاد، وتحقيق الأمن والاستقرار، واستعانته بإيران وحلفائها، لإنجاح العملية السياسية، التي هندس لها السفير بول برايمرز، قد أكدت بما لا يقبل الجدل فشل عملية الاحتلال، والتي من نتائجها القاسية على الأميركيين وضع الجيش الأميركي رهينة بيد طهران، وقيام نظام محاصصة طائفية، سلم العراق، على طبق من ذهب للجمهورية الإسلامية. يضاف إلى ذلك الفشل الذريع للسياسة الأميركية في أفغانستان، وفشلها في القضاء على مقاومة حركة طالبان، واستنزاف خزينتها، لمقابلة استحقاقات الوجود العسكري في العراق وأفغانستان، والتعويض المستمر عن خسائرها العسكرية في البلدين، بالذخائر والمعدات.. كل ذلك أدى إلى تضعضع القوة الاقتصادية والسياسية الأميركية، وحيد قوتها العسكرية، بما جعل كثيرا من القادة العسكريين الأميركان، يحذرون من مخاطر انشغال القوات الأميركية بما يجري في العراق وأفغانستان عن الأمن القومي الأميركي. وحذر آخرون، من أن الولايات المتحدة، لن يكون بمقدورها التصدي لأي تهديد عسكري حقيقي لمصالحها بسبب غرق معظم قواتها في القتال بالعراق وأفغانستان.

ولعل هذه الأسباب، قد فاقمت من النتائج الكارثية لأزمة الرهن العقاري، وأضافت لها وقودا لا يستهان به. كما أن الصعود الكاسح للمنتجات الصينية، ورخص أسعارها، مقارنة بالأسعار الأميركية، قد أسهم بشكل واضح في تراجع صادرات الصناعة الأميركية، ومنح الإدارة الفيدرالية لقب أكبر دولة مثقلة بالديون في التاريخ الإنساني، حيث تجاوزت ديونها ما يزيد على التريليونين من الدولارات.

وكان الحل الأميركي لأزمة الديون هو تقوية النفوذ الصيني عالميا، على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، بتمكينه من شراء نسبة كبيرة من السندات الأميركية، واقتراض مئات المليارات من الدولارات لتعويض النقص في الخزينة الأميركية. وبالقدر الذي تنمو فيه قوة الصين الاقتصادية والسياسية، تتراجع القوة الأميركية.

وجاء نجاح برامج فلاديمير بوتين لإنعاش الاقتصاد، واستعادة القوة العسكرية والسياسية لروسيا الاتحادية، ليشكل مسمارا آخر في نعش الأحادية القطبية. وكانت تعهدات الرئيس الأميركي باراك أوباما في خطاب التنصيب، بعد أدائه القسم، بإعادة الاعتبار للمؤسسات الأممية، وعدم الخروج على الشرعية الدولية، قد شكلت اعترافا أميركيا صريحا بتراجع النفوذ والقوة الأميركيتين في العالم.

وهكذا، فحين تقرر التدخل الدولي، في ليبيا لإسقاط نظام معمر القذافي، لم يتم التدخل بقيادة أميركية، بل بقيادة الناتو، وبحضور قوي فرنسي وإيطالي، وأوروبي ليعكس حقائق القوة في الخارطة الدولية الجديدة، ولتتوزع مناطق النفوذ في ليبيا، بين القوى التي قادت الحرب، وليس للأميركيين فقط، كما حدث سابقا إثر احتلال العراق وأفغانستان.

الاستخدام المزدوج مرتين لحق النقض في مجلس الأمن من قبل الصين وروسيا، للحيلولة دون صدور قرار أممي يجيز تطبيق الفصل السابع بحق سورية، ووجود القوات والأساطيل الروسية والأميركية، التي تتقابل الآن في البحر الأبيض المتوسط، قبالة طرطوس، والتهديد الروسي بإمكانية اشتعال حرب عالمية ثالثة، كلها مؤشرات، تؤكد أن العالم على أعتاب انبثاق نظام دولي جديد، لن يطول بنا الانتظار حتى نتمكن من الإحاطة بمعالمه وتفاصيله.