آخر تحديث: 24 / 10 / 2020م - 7:55 ص

المجتمع الإسلامي و إدارة الاختلاف في البعد الطائفي

الدكتور أحمد محمد اللويمي * صحيفة اليوم

فعندما نفهم الاختلاف فهماً صحيحاً في الطبيعة الإنسانية، عند ذلك يمكن أن نطلّ على طبيعة خلافاتنا بقراءة جديدة لها، وهنا يبدو لي دور الفكر التعدّدي في جانبه الفلسفي، فإذا ظللنا مصرّين على أنّ الاختلاف بين البشر ينحصر سببه حدوثاً وبقاء ـ وأركّز على عنصري:

«الحدوث والبقاء معاً ـ بالهوى والزيغ والانحراف الأخلاقي والنفسي، فمن الطبيعي أن نربط على الدوام بين الرأي الآخر وبين المفهوم السلبي في الأخلاق؛ لأنّ الخلاف الذي قام به الآخر لا تفسير له سوى زيغه عن الفطرة في قواعد الفعل العقلي انطلاقاً من انحراف أخلاقي، فلا تبرير حينئذٍ لهذا الخلاف، بل هو مدان في أصوله ومنطلقاته. أمّا عندما أنوّع قراءتي لحركة الخلاف في المجتمع الإنساني، وأعتقد بأنّ الخلاف يقع على نوعين: أحدهما نتيجة هوى وضلالة وجهالة وزيغ، وثانيهما نتيجة واقع طبيعي للأشياء يتعالى عن كلّ معايير النقد الأخلاقي على مستوى العقل العملي، فإنّني سوف أتفهّم ظهور الرأي الآخر في المجتمع».

و الطريق الاخر الذي قد يفرزه الواقع الملتهب الراهن هو الانحدار باتجاه الطائفية. اي ان الأمة الواحدة تتجزأ لطوائف او جماعات لتطفو متباعدة كحركة الاجزاء عن الكل. وفي الطائفية يختفي المفهوم المتعالي للدين وادواره التربوية في تزكية النفس وتطهيرها بل كما يقول برهان غليون «الطائفية تنتمي الى ميدان السياسة لا الى مجال الدين والعقيدة وانها تشكل سوقا موازية، اي سوداء للسياسة اكثر مما تعكس ارادة تعميم قيم او مبادىء او مذاهب دينية لجماعة خاصة» وتوظيف الطائفية كما يقول مستطردا «للالتفاف على قانون المساواة وتكافؤ الفرص وفي سبيل ضمان السيطرة غير المشروعة عليها». ان ادارة الاختلاف في المجتمع الاسلامي باتجاه المذهب او الطائفية يكمن في القرار السياسي الذي يهذب الادوات ويفعل الاليات التي تضمن العلاقات البينية السلمية المدنية للمجتمع. هذا الاتجاه الذي يؤسس بدرجة كبيرة لضمور الطائفية واضمحلالها والدفع بالقراءة المذهبية الى دوائر المؤسسات العلمية والفكرية وتمكين العلماء المحققين الباحثين من ادارة الاختلاف في دوائرهم مع قطع الطريق لكل الفضائيات التي تعتاش على الخلاف الاحترابي. ويعد الاجراء الذي اتخذته الحكومة المصرية الجديدة في جعل الازهر المصدر الوحيد لتفسير النصوص الدينية احد الاجراءات الاحترازية المهمة في الدفع نحو علمنة القراءة الدينية. ان نصيب المسلم من هذا التاسيس هو المحرجات العلمية الهادئة والمتزنة لتحصينه من الابتذال في الوقوع في الفتاوي المهترئة والمقززة. ان ادارة الاختلاف من قبل الانظمة الدينية الصاعدة بفضل الربيع العربي يمثل المفصل الاساسي في الدفع بالمجتمع الاسلامي نحو مجتمع مدني يعيش الاختلاف ويشرعنه ويقطف ثماره الحضارية.