آخر تحديث: 24 / 11 / 2020م - 12:32 م

سيرة تاريخية لأشجار لم تشذب أغصانها

محمد الحرز * صحيفة الشرق السعودية

في بداية السبعينيات من القرن المنصرم كانت أعمارنا لم تتجاوز العقد الثاني من العمر. كنا نعيش في مدينة من أكثر المدن هدوءاً، وأكثرها انسجاماً خصوصاً على المستوى الاجتماعي والثقافي، فالأحساء مدينة من فرط التصاق أهلها بالأرض، تراهم لا يشذبون أغصان أشجارهم إلا بمنجل أرواحهم، وحين ترتفع المياه قليلاً عن الأرض، فأنت لا تميز أين موضع الطين من موضع أجسادهم، من شدة الامتزاج؟ لذلك ليس بمستغرب أن تكون ذاكرتهم طينية، فالرائحة الممزوجة بالحنين هي إحدى أهم الصفات التي تغذي شخصيتهم من العمق. وتعطيهم القدرة على الإحساس بالمكان وكأنه جزء من طبيعتهم.

النخلة أيضاً تختصر تاريخ ارتباطهم بالأرض، وبالقدر الذي يقتربون فيه أكثر من تاريخهم، لا تجد سوى هالة قدسية تحيط هذا التاريخ من كل الجهات. العالم تفاصيله ليست دقيقة في تصوراتهم، هي أشبه ما تكون بالتفاصيل التي نرسمها لأحبابنا البعيدين قبل أن نراهم.

وعيهم بأنفسهم لا ينطلق من هويتهم الطائفية، بل من وعيهم المشترك بالأرض والتاريخ والمكان. في تلك الفترة كنا كجيل نتاج تلك الحياة. لم ننحرف عنها، تربينا في حضنها بوصفنا الامتداد الطبيعي لما أراده ليسن الآباء لنا فقط، بل حتى لما غرزته الأرض من شجر نابت في عروقنا يظلل كل ما هو عابر ومختلف وطارئ. العيش بهذه الطريقة لا يعني سوى شيء واحد هو الارتفاع بالحياة إلى مصاف الطبيعة.

لذلك لم تكن تخلو هذه الحياة من أحلام رومانسية تذكرني بأحلام الحركات والتيارات الرومانسية الفكرية منها والأدبية التي خرجت من الريف إلى صخب المدينة في المدن الأوروبية، مع الفارق الشاسع بالطبع.

لكن نقطة الاشتراك التي أود التركيز عليها هنا هي أن طبيعة النظرة الرومانسية للوجود والعالم حالمة حد الانكسار مهما اختلفت المجتمعات والظروف الاجتماعية والثقافية المحيطة. ومثل هذه الطبيعة في أي مجتمع، تجده مرتبكاً وحائراً إزاء كل أحداث ووقائع تكدر عليه معيشته أو حياته الهانئة. فمن طبيعة مثل هذا المجتمع، عندما يستفيق فجأة على وقع أحداث تهزه من الداخل وتأثر على مجمل علاقاته الاجتماعية والثقافية. هنا لا يتغير مجرى نهر حياتهم فقط، بل ينكسر المصب، وتختفي معالمه، وتغور في عتمة لا تتوقف عن النمو. في مثل هذه الحالة ليس أمامه سوى اصطدام وعيه بجدار قوي وسميك، يجعله بالضرورة يترنح إلى الوراء، لا لكي يعيد توازن جسده، بل ليبحث له من تاريخه عن هوية تنقذه من هول الصدمة التي وقع فيها.

أقول هذا الكلام وأنا أفكر بالحدث الأكثر أهمية في نهاية السبعينيات، وأعني به الثورة الإيرانية سنة 79م.

كنت وقتها لم أتجاوز الرابعة عشرة من العمر. وكان علي مع أقراني أن نصغي جيداً للأحاديث المنفلتة من عقالها حول كل صغيرة وكبيرة تتعلق بهذا الحدث.

كان الهاجس كبيراً بحيث لا تتصور نفسك سوى أنك دعيت إلى حفلة صاخبة، لا تعرف كيف تخرج منها. صخب لا يعطيك مجالاً للتفكير أو حتى للتروي في اتخاذ القرارات والمواقف.

كان الحدث أكبر من أن نستوعب أبعاده الكارثية على الحياة الهانئة التي كنا نعيشها. حدث وكل شيء بعده تحول إلى عكسه تماماً.

كان شعار تصدير الثورة من أكثر الشعارات التي انتشرت في وسطنا الاجتماعي مثل انتشار النار في الهشيم، ربما في أذهاننا لم نعرف المعنى من مفردة “الثورة”، وما الذي تعنيه بالتحديد، وما الغاية من استخدامها؟ كل ما كنا نلتقطه من كلام وأحاديث حول ما يجري، سرعان ما يتحول إلى رصيد أو مخزون من الهواء ننفخ به بالون الهوية الطائفية. قبل الحدث لم نكن ندرك تلك الهوية باعتبارها تمايزاً بين ما هو شيعي أو سني، وإذا كان ثمة تمايز فهو تمايز لا يفضي إلى الإلغاء أو التعصب أو عدم التعايش.

بل كانت هذه الهوية بالنسبة لكثيرين لا تشكل حاجزاً يعيق التعايش بين أبناء الطائفتين في هذه المدينة. ولا يعني ذلك أن هذه الحالة بعد الحدث قد تلاشت تماماً، بل حدث شرخ من عدم الثقة بعد أن كانت هذه الثقة تصل إلى حد الشراكة الاقتصادية في بعض الأحيان.

هذا الشرخ كانت تغذيه تداعيات أحداث الثورة، وكلما اتسع وتشعب تضخمت الهوية الطائفية، وطغت على ما عداها من هويات أخرى.

إزاء هذا الوضع، وفي السنوات الأولى من الحرب العراقية الإيرانية، كان كثير من المجايلين لي في السن الأكثر حماسة وإقبالاً على تبني شعارات الثورة من غيرهم، بل الحقيقة كانوا الفئة الأكثر استهدافاً بسبب الروح الشبابية المندفعة دون تفكير أو تروي. فمنهم من ترك مقاعد الدراسة وتوجه إلى إيران إما للدراسة في حوزاتها العلمية، أو كانت السلطات هناك تغريهم بالذهاب إلى الجبهة للقتال، أو كان البعض يخضع للتدريب في بعض المعسكرات.

أعرف كثيراً من رجع وغيّر كل قناعاته بعد أن عاش التجربة بمرارة مطلقة. هنا قد يتبادر إلى أذهان البعض التساؤل التالي: لماذا هذا السرد التاريخي يتناول هذه التجربة، في هذا الوقت بالذات؟

أولاً لأني معنيّ بها كتجربة شخصية عشتها بكل أبعادها، وهي محطة مفصلية في حياة كل شخص من جيلي، أرى أنها تركت ندبة لن تزول من حياته مهما تقادم بها العهد.

ثانياً محاولة سردها واستنطاقها كتجربة شخصية لا تعني تأليب طائفة على أخرى.

ليس هذا المقصد أو التوجه، بل أجدها عن قناعة حين نقوم بسرد ذواتنا أمام الآخرين كي نتعلم من أخطاء بعضنا البعض، ولأجل الأجيال التي لا يمكن أن تستبين طريقها دون استيعاب تجارب من سبقهم من أجيال.

والأهم من هذا وذاك هو أن الامتلاء بالهوية الوطنية لا يكون إلا على المصارحة والمكاشفة في نقد الذات أولاً وفي نقد الآخرين لها ثانياً. منطق الثنائيات الذي يقول إذا ما قمت بنقد هذه الطائفة عليك بنقد الأخرى، وإذا ما نقدتهما عليك بنقد الدولة، هو منطق تبريري، يفتقر للعقلانية المعاصرة التي تهتم بما هو لا مرئي أكثر من اهتمامها بالمرئي والواضح.