آخر تحديث: 10 / 7 / 2020م - 2:07 ص  بتوقيت مكة المكرمة

درجات المئذنة.. ورغيفي المخفي

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة اليوم

صمت أول ما صمت في شامة الدنيا دمشق الفيحاء، كان صيام صبيان وهو ما يسمونه هناك «صيام على درجات المادنه»، ولعل تفسير ذلك أن الصغار لا يصومون اليوم كاملاً بل بالتدرج، أي إلى الظهر ثم يفطرون، وبعدها للعصر وهكذا إلى أن يتمكنوا من صوم اليوم كله..

ومن كان يشرف على هذا التدريب اشرافا صارما لا هوادة فيه الوالدة يحفظها الله. فمازلت اذكر العذاب الذي مررت به في أول يوم على «درجات المادنه»، إذ لم استوعب لماذا لا أستطيع أن آكل ولا أشرب؟ لكنها قالت بحزم أن علي الصيام وعندما أعود من المدرسة ستحضر لي الأكل الذي أحب، وإذا لم أفعل أو أكلت أو شربت قبلها فإن الله يراني وسأكتسب سيئات. ذهبت إلى مدرستي غير راضٍ أن تخرجني والدتي صباحاً «على لحم بطني» دون فطور ولا حتى شربة ماء. ومجرد لف ودوران هذه القسوة غير المعتادة أشعرتني بجوع مجبول بإنزعاج..

في طريقي إلى المدرسة، وتحت ضغوط الجوع المتصور، وقفت عند فران واشتريت رغيفاً ولففته ووضعته في حقيبتي.. سائراً إلى المدرسة متسنشفاً ما يبثه الرغيف المخفي من روائح تصل إلى خلايا المخ فتوقذها وإلى أنزيمات المعدة فتهيجها! في ذلك اليوم لم أبرح حقيبتي؛ لم أفارقها ولم تفارقني، كنت أظن ان جميع التلاميذ والتلميذات صائمون جائعون وأن أحدهم قد ينقض على رغيفي.. بل كنت بين الفينة والأخرى أفتح الحقيبة فقط لأطمئن على الرغيف.. في الحصة الأخيرة، نادتني المعلمة أن أتي بشيء لها من الإدارة، حملت شنطتي لأخذها معي، نهرتني مستغربة ذلك.. فارقت الحقيبة وعدت مسرعاً متحيناً الفرصة لأطمئن على «الرغيف»..

في طريق العودة للمنزل لم يفتني أن أقف عند كل سبيل لأغسل وجهي بتؤدة وأحدث النفس بشربة ماء! ومع ازدياد سطوة الجوع أخذت أكثر من فتح الحقيبة ليس للاطمئنان بل لإخباره بأن لقاءنا قريب وبمجرد وصولي للمنزل.. وصلت للمنزل بعد أذان الظهر بقليل ووجدت الغداء في انتظاري حسب الوعد، ووالدتي قبالتي تراقبني بعدم رضا وأنا أخرج رغيفاً من حقيبتي.. أجبت نظراتها قائلاً: خفت درجات المادنه تخلص العصر.. لم أكل شيئاً سوى ذلك الرغيف الذي احتضنته نصف نهار، حتى الآن أشعر بأنه الذ ما أكلت..

رئيس مركز جواثا الاستشاري
مؤسس شركة وطن للاستثمار