آخر تحديث: 10 / 7 / 2020م - 2:07 ص  بتوقيت مكة المكرمة

«خالتي».. مُهَجرة نازحة

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة اليوم

نحن قوم نتردد قبل أن نتفوه بأسماء أمهاتنا، ولا أدري لماذا! وينطبق نفس «التحفظ» على اسم الخالة. ولن أبوح باسم خالتي ليس لسبب سوى أن أسماءها كثيرة! لكني سأخبركم عن آخر أخبارها فقد انضمت لأرتال المهجرين النازحين من بلادهم تاركين بيوتهم الشامية الجميلة المحصنة الآمنة قاصدين المجهول، الألم يأتي من هناك أقساطاً مقسطة كل جرعة منه أقصى من التي سبقتها.

ورغم كل ما نراه، لكن ما أن تُذكر كلمة نزوح حتى تقفز للذهن صورة نمطية هي قوافل وأرتال العرب الذين نزحوا من فلسطين إلى البلدان المجاورة متوشحين بمفاتيح بيوتهم مؤملين انفسهم بعودة قريبة. كان ذلك فعلاً «إسرائيلياً» مقصوداً فعصابات «الهاجانا» لم تأت من أوربا للتنزه في الأرض العربية بل لإحتلالها وإخراج السكان العرب لإحلال شعب آخر محلهم.

ولذا كان إبعادهم للعرب منسجماً مع هدف جهنمي لجمع الشتات من أصقاع الدنيا.. لكن سوريا ليست أمام إحلال شعب محل شعب، فلما هذا التهجير والنزوح؟!

لن أحدثكم عن السياسة العالية حول سورية، ولا عن حرب الطوائف والكراهية والمذابح، ولا عما مرّ بسوريا عبر عقود من انقلابات عسكرية متوالية وتناحر على سدة الحكم بدعاوي مختلفة كان مطلبها ومبتغاها الحكم أولاً وأخيراً.. كل ذلك معروف فقد ضجت به الكتب والوثائقيات، كما أنني لن احدثكم عن خالتي النازحة فلا غرابة في ذلك رغم قسوته وسط الظروف المعاشة، فشأنها شأن آلاف ممن نزحوا عن بيوتهم وديارهم وبلداتهم على مر الشهور الماضية إلى خارج الشام طلباً للنجدة والعافية.. لكني سأحدثكم بأن معاناة الشعب تبقى هي الأكثر تكلفة والأعنف وقعاً، ومع استمرارها يتواصل نزيف المهانة والضياع للسوريين ولنا كعرب، وحتى لا تضيع البوصلة ويتأرجح الميزان علينا أن نبحث دائماً عن طرفي المعادلة غير المتزنة: عن النازح ومن أرغمه الابتعاد عن بلاده؛ فالرجل المشغول حتى أذنيه ساعياً لكد لقمة العيش، والمرأة التي تدبرمنزلها وتصون أسرتها ليل نهار، والتلميذ الذي ينكب على دروسه او حتى ألعابه.. هؤلاء الكثرة في كفة، ومن يشردونهم من منازلهم في كفة أخرى.. هؤلاء الكثرة هم الزراعة والصناعة والسياحة الحياة.. هم الأسر التي تصنع سورية مجتمعاً ينتج ويكدّ والألم يعتصره دهراً بل دهوراً.. أما خالتي وأسماءها الكثيرة، فكل من غادرت وهاجرت وكل من بقيت تضمد الجراح هي خالتي.. ليحفظك الله.

رئيس مركز جواثا الاستشاري
مؤسس شركة وطن للاستثمار