آخر تحديث: 22 / 11 / 2019م - 10:45 م  بتوقيت مكة المكرمة

شمس الحسين تزداد إشراقًا

الشيخ حسن الصفار *

الإنسان العاقل لا يقدم على عمل إلا ويتوخى منه نتيجة، وكلما كان العمل مستلزمًا لجهد أكبر تكون النتيجة المتوخاة أكبر وأعظم. لكن النتائج تختلف في نظر الناس، فهناك من يتوخى نتائج عاجلة، وهناك من له بعد نظر فيرى النتائج الآجلة وليس العاجلة فقط. عادة ما تكون الأعمال الصغيرة نتائجها عاجلة، أما الأعمال الضخمة عادة ما تكون نتائجها آجلة، وبعبارة أخرى، فإن النتائج والاستهدافات كلما كانت أكبر وأعظم احتاجت إلى جهد أكبر ومدى زمني أكبر.

القرآن الكريم دائمًا يركز على مسألة العاقبة، أي النتيجة والمآل، أكثر من ثلاثين آية تتحدث بهذا اللفظ ﴿الْعَاقِبَةَ كقوله تعالى: ﴿الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ، ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ، ﴿أُولَٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ.

قد يقوم الإنسان بعمل ولا تكون له نتائج سريعة، أو تكون نتائجه السريعة سيئة أو جيدة، لكن هذا ليس هو المقياس. المقياس هو المستقبل؟ ماذا ستكون نتائج هذا العمل في المستقبل؟ الأعمال الشهوانية تكون لها لذة عاجلة ولكن ماذا بعد؟ أمير المؤمنين علي يقول عن مثل هذه الأعمال: «تزول اللذة وتبقى التبعة».

حركة التغيير نَفَس طويل:

الأنبياء والأئمة كانت لهم استهدفات عظيمة هي تغيير المجتمعات البشرية حتى تسير في الخط المستقيم، حركة التغيير في المجتمعات البشرية عادة لا تظهر نتائجها سريعًا بل تأخذ مدى طويلًا، من هنا فإن الأنبياء والأولياء كانوا يتحركون ببعد نظر، وما كانوا يستعجلون النتائج، ولا يتوخون النتائج العاجلة؛ لأن الوحي كان يؤكد عليهم دائمًا بالصبر، كما في الآية الكريمة: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ لا تستعجل النتائج، المهم أنك تسير في الطريق الصحيح، أنك تحمل رسالة وتؤدي دورك وواجبك، متى ستكون النتائج وكيف؟ هذا ليس من مهمتك، هو أمر موكول إلى الله، ولهذا كان الأنبياء يتحركون ويواجهون البلاء بعزيمة، يبدون في لحظة من اللحظات وكأنهم انهزموا وانكسروا وكأن الباطل قد ساد وهيمن، ولكن في أعماق نفوسهم يعلمون أن النصر سيكون لهم، وأن النتيجة ستكون لصالحهم، لأنهم ينظرون بعين الله وبنظرة مستقبلية، وهذا ما نرى أنموذجه واضحًا في ثورة الإمام الحسين.

من كان معاصرًا للإمام الحسين ، وأمام المقاييس الظاهرية يرى بأن الحسين مهزوم لا محالة، ولذا نصحوه بألا يخرج، كيف يمكن مواجهة جيش مدجج بالسلاح وقوة عاتية، بنفر قليل من الأصحاب؟ المعادلة المادية كانت واضحة، والإمام الحسين كان مدركًا لهذا الأمر، لذلك لم يكن يتحدث عن نصر مادي، وما كان يطلب الأنصار حتى يشاركوه غنائم النصر، وإنما كان يطلب منهم أن يشاركوه شرف الشهادة، ففي خطبته بمكة المكرمة قبل خروجه قال:

«ألا ومن كان باذلًا فينا مهجته، موطنًا على لقاء الله نفسه فليرحل معنا»، وفي رسالته التي كتبها إلى بني هاشم: «من لحق بي منكم استشهد، ومن لم يلحق لم يدرك الفتح» يعتبر شهادته فتحًا؛ لأنه كان ينظر نظرة مستقبلية، كان ينظر إلى القرون المقبلة، وهذه هي التربية الإلهية، كان ينظر إلى النتائج في الآخرة، ومن أدعيته في اليوم العاشر من المحرم وبعد أن قتل معظم أصحابه وأهل بيته قال: «اللهم إن كنت حبست عنا النصر في الدنيا فاجعلها لنا ذخرًا في الآخرة».

النتائج لا تقتصر على الدنيا، بل ما في الآخرة هو الأهم. العقيلة زينب حينما سألها ابن زياد: كيف رأيت صنع الله بأخيك والعتاة المردة من أهل بيتك؟ قالت: «والله ما رأيت إلا جميلًا هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم فانظر لمن الفلج يومئذٍ ثكلتك أمك يا ابن مرجانة».

عاشوراء تجدد وانتشار:

الرساليون تفكيرهم مستقبلي. ونحن الآن نرى كيف أن نتائج ثورة الحسين تتجلى وتتضح زمنًا بعد آخر، وقرنا بعد آخر، في كل عام نرى أن هذه الذكرى تفرض نفسها أكثر على المجتمع البشري، رأينا التفاعل ضمن دائرة المجتمع الشيعي الذي عانى في كثير من الأزمنة والبلدان من الضغوط والحصار، ومن محاولات صرفه عن مبادئه بمختلف الوسائل والأساليب، لكننا نرى أن التفاعل داخل هذا المجتمع مع ذكرى الحسين في تقدم.

نسأل الله تعالى أن يوفقنا للاهتمام بهذه المناسبة والمناسبات الدينية والسير على نهج أهل البيت.

خطيب وكاتب سعودي «القطيف»