آخر تحديث: 18 / 8 / 2019م - 2:05 م  بتوقيت مكة المكرمة

العلامة الفضلي عَروضيّاً - من تجربة النقد والاقتراح إلى منجز التلخيص

حسين الخليفة

إن مقولة: ”الكتاب الناجح أو الكاتب الناجح هو الذي يستطيع أن يفهم أكبر عدد ممكن من القراء“ أراها تتجسد كل التجسد في العلامة الفضلي كاتباً وفي منجزاته الفكرية والإبداعية كتب مناهج وبحوثاً ودراسات ومقالات وتحقيقات، وهو أمر يجمع عليه المطلعون على كتاباته متخصصين وعشاق قراءة من عموم المثقفين والمتابعين.

ولا يخرج كتاب «تلخيص العروض» عن منحى العلامة الفضلي التربوي الهادف إلى إيصال العلم إلى طلابه بسهولة ويسر بعيدين عن التكلف الشكلاني غير المنتج، مع الحفاظ على العلم في جوهره الجامع الذي يلخص الفوائد ويخلصها مما لا نفع فيه البتة، ومن عموم الزوائد.

ولأن العَروض علمٌ يرسم كينونته بريشة غايته التطبيقية، فإن تلخيص العلامة الفضلي له قد تمحور في تخليصه من متاهات «دوائره» المغلقة المثقلة بإفرازات فرضياتها التي تفرض على الطالب الانغماس فيها والدوران في دواماتها، فيؤدي ذلك إلى بعد المسافة بين نقطتي الطلب والغاية، وقد تصد نفس الطالب، فيفضل على الاهتداء لهذا العلم جهل الضلالة والغواية..!

وهذا هو الحاصل بالفعل، فإن نسبة الجاهلين بعلم العروض من حاملي شهادات الاختصاص في اللغة العربية كبيرة جداً، بل إن الكثيرين منهم ممن وصلوا إلى مرحلة الدراسات الجامعية العليا يعانون من المشكلة نفسها، فيتعبون - وهم في طور الإخراج النهائي لرسائلهم - في البحث عن عالم بالعَروض، ليقف على شواهد بحوثهم الشعرية وأمثلتها، فيضع أسماء بحورها وصفة أوزانها، كما هو المتبع في هيكلية البحوث والرسائل الأكاديمية.

لقد عمل العلامة الفضلي في تلخيصه هذا على تقليص المسافة بين نقطتي الطلب والغاية حين أعتق أشواطها وأراحها من وثاق خطوط «الدوائر» العويصة، لتمثل أمام الدارس في خط مستقيم واضح يريح سالكيه من الوقوع في شَرَك الالتواءات والتعرجات والانحناءات التي لم يسلم من معاناة الوقوع في منزلقاتها معظم من يطلبون العلم وفق منهجه القديم، ويطرقون في سبيل طلبه بوابات الدوائر.

وسيقف القارئ الكريم على مقدمة المؤلف - رحمه الله - لكتابه «تلخيص العروض» فتتضح له بصورة أجلى ملامح عمله من خلالها، واستكمالاً للفائدة، فقد تم إلحاق بحث «في علم العروض نقد واقتراح» [1]  بالكتاب، وهو عمل المؤلف الأول في علم العروض، ليطلع الطالب - بعد إتقان العروض من «تلخيصه» - على نقد المنهج القديم بصورة وافية، فيكون أكثر إدراكا وفهماً للنقد بعدما انقشعت الصورة الضبابية بينه وبين علم العروض الذي أتقنه من خلال التلخيص.

وسيُلاحَظ في «الاقتراح» الذي جاء بعد «النقد» في المنجز العروضي الأول للمؤلف:

1 - استبعاد بعض الأوزان الشعرية الواردة في مصنفات العروض القديمة

2 - أن الأوزان الواردة في «الاقتراح» أكثر منها في «التلخيص»

3 - أن الأمثلة الشعرية المندرجة تحت أوزان الاقتراح وردت غير مقطعة، لكونها وردت ضمن بحث يخاطب فيه أهل الاختصاص، لا ضمن منهج تعليمي كما هي الحال في «التلخيص»

ومن الفوائد الأخرى لإلحاق «الاقتراح» ب «التلخيص» أن الطالب سينتفع من تقطيع الأبيات غير المقطعة في أمثلة الاقتراح الواردة أوزانها في التلخيص، فتكون بمثابة تدريبات أخرى متى ما خالفتها، أو هي تصب في حيز الإعادة التي تتوخى القياس البعدي، وفي الإعادة إفادة كما يقولون.

وسيجني الطالب فائدة عظيمة في الاعتماد على نفسه في تقطيع الأمثلة الشعرية المنضوية تحت الأوزان التي لم ترد في «التلخيص»، لتكون باباً يعينه على التوسع في الإلمام بمفردات العلم وتفاصيله بعدما أتقن طرقه تطبيقياً، وصولاً إلى الإدراك والتحصيل الذاتيين - بعد الاجتهاد فيه - لكل التفاصيل المرجأة خارج «التلخيص» وخارج «الاقتراح» وفق منحى المؤلف التربوي، فإبعاد بعض الأوزان الشعرية من عمله الأول، وتقليصها أكثر في عمله الثاني، لم يكن إبعاد إقصاء أو إلغاء، بل كان إبعاد تأجيل وإرجاء يراعي تدرج النماء المعرفي لدى الطالب، عاكساً عبقرية العلامة الفضلي الفذة في التأليف والتصنيف، بحيث استحق بجدارة أن يُطلق عليه لقب «شيخ المنهجية».

وقبل الختام لا بد من الإشارة إلى أن شدة الطلب على مؤلفات العلامة الفضلي - وهي أمر إيجابي - قد أدت إلى أمر سلبي، وهو اندفاع دور النشر وتكالبها على طباعتها دون الرجوع إلى المؤلف لغرض الاستئذان وحفظ الحق المعنوي والالتماس منه بمراجعتها بعد صفها وتنضيدها تنضيداً جديداً، مما تسبب في الوقوع في الأخطاء المطبعية الكثيرة التي تتحملها دور النشر بطبعاتها غير الشرعية من الناحية القانونية.

ولذا، فقد تمت مراجعة الكتاب والملحق وتصحيح الأخطاء المطبعية التي إن تم تجاوزها والاتكال على فهمها سياقياً قدر الإمكان في العلوم المختلفة، فإن الخطأ المطبعي في «علم العروض» فادح ولا يمكن تجاوزه، لدقة مطالب العلم المعتمدة على الحركة والسكون في تصنيف البحور والأوزان وفي تقطيع الأمثلة أو إدراجها في موقعها من المبحث العروضي.

بالإضافة إلى تدارك صور الأخطاء وتصحيحها، فقد تم ترقيم أمثلة التدريبات والتعليق في الهامش - على نحو القلة - خدمة للغرض ليس غير.

إن مقارنة منهجية العلامة الفضلي بالمنهجيات الأخرى كفيلة بأن تكشف علمياً عن قيمة لقب «شيخ المنهجية» الذي أطلق عليه، وسيؤدي ذلك إلى تكريس منهجيته وتمثلها في الكتابات الجديدة، مما يعود بالنفع في الدرجة الأولى على طالب العلم بوجه خاص وعلى الحركة العلمية بوجه عام.

فللعلامة الفضلي جزيل الشكر والثواب بما قدم من منهجية مضيئة وعلم جم جعله الباري تعالى في ميزان حسناته - رحمه الله - وأسكنه فسيح جناته، ووفقنا إلى الانتفاع بعلمه، إنه ولي التوفيق وهو الغاية.

 

[1]  سيصدر العملان في مجلد واحد عن قريب إن شاء الله.