آخر تحديث: 22 / 11 / 2019م - 10:45 م  بتوقيت مكة المكرمة

التعاطف مع المظلومين

الشيخ حسن الصفار *

عن الإمام جعفر الصادق أنه قال: «إن البكاءَ والجزعَ مكروهٌ للعبد في كلِّ ما جَزع، ما خلا البكاء على الحسين بن علي، فإنه فيه مأجورٌ» [وسائل الشيعة. ج 14، ص 507].

وعن الإمام علي بن موسى الرضا أنه قال لابن شبيب: «ان كنت باكيا لشئ فابك للحسين بن علي بن أبي طالب فإنه ذبح كما يذبح الكبش وقتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلا ما لهم في الأرض شبيهون» [عيون أخبار الرضا. ج2، ص268].

نحمد الله سبحانه وتعالى أن جعلنا ممن يَحمل هذه العاطفة الجياشة تجاه أهل بيت الرسالة.

هذه العاطفة الجياشة هي وسيلة مهمة للارتباط بأهل البيت ، وهي جسرٌ دائمٌ من أجل الانفتاح على آفاق حياتهم النبيلة المقدَّسة، فالمسألة ليست مسألة أشخاص، وإنما هي مسألة قِيَم هؤلاء الأشخاص التي حملوها، وقَدَّموا من أجلها أعظم التضحيات، فحينما يرتبط الإنسان بهم إنما يضع نفسه على الخط الذي كانوا عليه.

المخزون العاطفي وضروريتُّه الفطرية:

إن الله سبحانه وتعالى أعطى الإنسان مخزوناً من العاطفة في أعماق نفسه، والإنسان السوي تَتمظهر لديه الحالة العاطفية في المواقف الإنسانية، فحينما يشاهِد مشهداً مؤثراً مؤلماً؛ فإنه يتفاعل ويتعاطف معه، وإذا كان الإنسان لا يتفاعل مع مشاهد الألم ومع المآسي الإنسانية، فإن حالته غير سوية، قد يعاني من قسوة القلب، ومن الجفاء والجفاف في المشاعر.

إن وجود العاطفة الغنية في نفس الإنسان يكشف عن سويته، ويكشف عن حالة الطبيعة الإنسانية.

وكما هو واضح فإن الإنسان حينما يتألم من بعض المواقف والمشاهد، فمِن مصلحته النفسية أن يعبّر عن ذلك الألم، أما إذا كبت حزنه وألمه؛ فإن ذلك قد يَتحول إلى عُقَد تنتج لديه أزمات في داخل نفسه، فما يتحدث عنه علم النفس الآن هو أنّ الإنسان ينبغي أن يعبّر عن انفعالاته في الفرح والحزن، وأنّ التعبير عن الانفعال الداخلي يفيد نفس الإنسان.

وفي نصوصنا الدينية قبل علم النفس ما يدل على ذلك.

ورد عن الإمام جعفر الصادق أنه قال: «مَن خاف على نفْسه مِن وَجْدٍ بمصيبةٍ فليُفِضْ من دموعه فإنه يسكن عنه» [من لا يحضره الفقيه. ج 1، ص 187]، لهذا فإن الشارع المقدس لا يمانع من أن يحزن الإنسان حينما يواجِه مصيبة من المصائب، ولا يَمنع من أن يظهر الإنسان هذه العاطفة، ولكن ينبغي أن تكون في حدود، فلا تكون نوعاً من إظهار عدم الرضا بقضاء الله تعالى وقدره.

نحن نقرأ أن رسول الله ﷺ حينما مات ولدُه إبراهيم تَأثر وبكى ودمعت عيناه، وقال قولته المشهورة: «تَدمع العين ويَحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنَّا بك يا إبراهيم لمحزونون» [سنن أبي داود. ج1، ص58].

إنَّ على الإنسان ألا يظهر مظاهر الجزع عند المصائب الدنيوية التي تحيط به، ينفِّس عن نفسه وعن انفعالاته لكن ضمن الحدود المقبولة، ولا يمارس حالة الجزع ومظاهر الجزع، من لطم الرأس، أو شق الجيب، أو لطم الصدر، أو حتى الضرب على الفخذ، فقد وردت روايات تنهى عن ذلك، والعلماء والفقهاء يعتبرونه من المكروهات، وفي بعض الحالات إذا كان فيه اعتراض على قضاء الله وقدره يكون حراماً.

لكن رواياتنا تستثني قضية الإمام الحسين ، وهذا الاستثناء نفهمه من تعاطف رسول الله ﷺ مع هذه القضية منذ ولادة الحسين، حيث أظهرَ الحزن والبكاء والتفجع، في مناسبة وأخرى، لهذه الحادثة التي لم تقع بعدُ، بكى لها قبل نصف قرن من وقوعها.

إن هذا الفعل منه ﷺ يدل على تميّز هذه الحادثة، وعلى استثنائيتها.

ثم إننا نجد أئمة أهل البيت مع ما نعتقده فيهم من أنهم قمةٌ في الصبر والتجلد والتسليم لأمر الله سبحانه وتعالى، لكنهم في قضية الإمام الحسين نرى في حياة كل إمام منهم مشاهد لإظهار التألم والتفجع على ما حصل في كربلاء، وبذلك أوصَوا شيعتهم وأتباعهم.

البعد القيمي والانساني:

القضية ليست مجرد تألم لحادثة حدثت في التاريخ، وإنما تعني تعزيز التعاطف مع القضية، ومع أولئك الأبطال الذين ضَحوا في سبيل الله، وتحملوا ما تحملوا، إن هذا الحزن والألم يعني الرفض للظلم الذي وقع على أهل البيت ، وتنمية الحساسية تجاه كل مشهد من مشاهد الظلم، والتعاطف مع أي مظلوم يُظلم في هذه الحياة، فهذه العاطفة الجياشة، عند الإنسان المؤمن، ينبغي أن تتحرك أيضاً في مختلف الموارد والمشاهد.

حينما نشاهد الفظائع والفجائع التي تحل بالإنسانية في هذا العصر، بإخواننا في فلسطين، في الصومال، في باكستان، في أفغانستان وفي المناطق المختلفة، ينبغي أن لا نمر على هذه المشاهد دون اكتراث، ودون تأثر. علينا أن نشعر بالتألم، وأن نشعر بالتعاطف؛ لأن هذا درجة من درجات التناصرِ والعون للمظلوم، وقد أوصانا ديننا بأن «كونوا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً».

مع الأسف الشديد لكثرة هذه الفجائع والمشاهد تكاد أن تكون قد تطبَّعَتْ في نفوس الناس! فالإنسان بات في كل يوم يشاهد صور الظلم والعدوان على شاشات التلفاز وعلى صفحات شبكة الإنترنت!

على الإنسان ألا يَسمح لنفسه بأن تتكيف وتتطبع مع هذه المشاهد، عليه أن يشعر بالحزن تجاهها، وأن يشعر بالألم عليها، وبالتعاطف تجاه هؤلاء المظلومين المصابين، فالتألم لما أصاب الحسين إنما هو نهج لرفض الظلم في كل مكان، وللتعاطف مع المظلوم في كل عصر.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
The Tragic Story
[ القطيف ]: 15 / 10 / 2016م - 12:58 م
اذا المؤمنين لم ينصروا المظلومين من ينصرهم ؟

التعاطف مع المظلومين
نصرة المظلومين

هناك فرق كبير يا شيخ
خطيب وكاتب سعودي «القطيف»