آخر تحديث: 21 / 11 / 2019م - 9:56 م  بتوقيت مكة المكرمة

إبلاغ رسالة الثورة

الشيخ حسن الصفار *

إن إحياء سيرة أهل البيت والاحتفاء بذكرى عاشوراء إنما يأتي من هدي القرآن الكريم، الذي يحث على أخذ الدروس والعبر من أحداث التاريخ. فقد تحدث القرآن الكريم عن قصص عدد من الأنبياء والأولياء والصالحين، وذلك ليس من باب التسلية، ولا لكي يستغرق الناس في الحياة الشخصية الذاتية لهؤلاء الأنبياء والأولياء، وإنما لهدف محدد وهو أخذ العبرة، بحسب ما تشير الآية الكريمة ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ.

فالهدف من ذكر سير الأنبياء هو أخذ الدروس والعبر من سيرتهم، والاستضاءة بنورهم، واستحضارها لذاكرة الأجيال، كرموز ودعاة ينشدّ الناس إليهم، فيقتدون بهم، ولذات الغاية ونفس السبب نحيي ذكرى سيرة أهل البيت . وحينما نحتفي بسير أهل البيت وبمناسبات ذكرياتهم إنما من أجل تحقيق نفس الغاية التي من أجلها ذكر القرآن قصص الأنبياء.

وقد يتساءل البعض مستنكرين عن سبب استحضارنا للتاريخ، ويستدلون بالآية الكريمة ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ[سورة البقرة، الآية: 134]، وهذا الاستدلال ليس صحيحًا، ولو كان الأمر كذلك لما خلد القرآن الكريم سير الأنبياء، لدرجة ذكر التفاصيل الجزئية في بعض الأحداث من قبيل قصة نبي الله يوسف ، فالقرآن يخلد قصته مع أخوته في أكثر من 100 آية، مع أن الأمر قد انتهى ويوسف رضي عن أخوته واستغفر لهم في نهاية المطاف، إلا أن القرآن مع ذلك يخلدها. من هنا فالاحتجاج بالآية الكريمة ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا لا معنى له في هذا المقام، فالآية لا تعني بأي حال تجاهل أحداث التاريخ، ولو كان الأمر كذلك لما خلد القرآن هذه السير. لذلك وعلى هدي القرآن الكريم نخلد قصص وسير أهل البيت ، من أجل أن نأخذ منها الدروس والعبر، وإحياؤنا لعاشوراء هو لهذا الهدف تحديدًا.

الفصل الثاني لكتاب عاشوراء

يمكن القول إن لكتاب عاشوراء فصلين، يحتوي الأول تفاصيل واقعة كربلاء، أما الثاني فهو رسالة الشهداء التي أريد إبلاغها إلى الأجيال اللاحقة.

لقد انتهى الفصل الأول بعد ظهر يوم العاشر من المحرم باستشهاد الإمام الحسين والخيرة من أهل بيته وأصحابه، ثم بدأ بعدها مباشرة الفصل الثاني المتمثل في إيصال رسالة الشهداء إلى الأمة، ولو لم يأتِ هذا الفصل المهم لضاعت ربما رسالة الشهداء، ولو لم يكن هناك من يوصل رسالة الشهداء ورسالة الحسين لأمكن للسلطات الأموية أن تعتم على الواقعة وتشوهها، وبالتالي تتلاشى تلك الأهداف العظيمة لهذه الثورة المجيدة. ولهذا خطط الامام الحسين لتكون المعركة مكونة من هذين الفصلين، وأعد لذلك عدته بأخذ أخوته وأصحابه ليكتبوا الفصل الأول من المعركة، فيما أخذ معه عقيلة الطالبيين زينب ونساء أهل البيت وأطفاله ليكونوا هم كُتَّاب الفصل الثاني من هذه الثورة العظيمة.

لقد كان الحسين مدركًا منذ البداية لمدى فداحة الثمن المتوجب دفعه لإبلاغ رسالته إلى الأجيال. كان يمكن للإمام أن يبقي أسرته في المدينة المنورة بعيدًا عن هذا الأذى الذي لحق بهم، فقد كانت للعقيلة زينب مكانة عزيزة عند الحسين وعند أهل البيت عمومًا، ومع ذلك تعرضت إثر مشاركتها أخيها الحسين في ثورته لقدر كبير من الأذى والضيم والألم، فالحال التي تعرضت لها نساء أهل البيت في الشام لم تكن أمرًا يسيرًا، كل ذلك لأن الحسين كان يعلم بأن كتاب الثورة لا يكتمل إلا بهذا الفصل، ولأن رسالة الثورة لن تصل إلا عبر هذا الطريق. ولذلك قال حين سئل عن معنى حمله النساء في رحلته إلى كربلاء: «إن الله قد شاء أن يراهن سبايا» [اللهوف في قتلى الطفوف. ص40]. ومعنى ذلك أن الله شاء لهن أن يكتبن الفصل الثاني والمهم من كتاب الثورة الحسينية المجيدة.

لقد حملت خطب الإمام زين العابدين والهاشميات بعد واقعة كربلاء رسالة الثورة إلى كل الإصقاع. كان للسيدة زينبF أكثر من خطاب وكذلك أم كلثوم، وزين العابدين، وفاطمة بنت الحسين، هذه الخطب تحديدًا هي التي حملت رسالة الحسين، وحمت أهداف ثورته من التشويه بواسطة الإعلام الأموي، الذي كان يريد أن يبين أن الإمام الحسين خارج على إمام زمانه، بل أعظم من ذلك، فقد استخدم ابن زياد، الوالي الأموي على الكوفة، ألفاظًا قبيحة لا تليق إلا به، حين وصف الحسين بالكذب، فقد خاطب ابن زياد سبايا آل البيت بعد عاشوراء بالقول «الحمد لله الذي فضحكم وكذب أحدوثتكم». وقد كان واجبًا أن يُواجه ويُكشف هذا الإعلام السلطوي المضلل حتى تصل رسالة الثورة عبر الأجيال.

رسالة الحراك الاجتماعي

إن أحد الدروس الكبيرة من عاشوراء يتمثل في أن أي مجتمع لديه قضية وحراك سياسي، ينبغي ألّا يتجاهل دور الإعلام والحرص على إيصال رسالته للمحيط الذي يعيش فيه. لا ينبغي للمجتمع الذي يحمل قضية أن ينكفئ على ذاته مكتفيًا بالتبرم في المجالس الخاصة والضيقة، إن عليكم أن توصلوا رسالتكم لمن يعيش حولكم من الأطراف الأخرى، فهم لا يعرفون حقيقة موقفكم وماهية أهدافكم، فتلك مسؤوليتكم أنتم بالدرجة الأولى. إننا نعيش اليوم في عصر يقلب فيه الإعلام الحق إلى باطل والباطل إلى حق، ويحول الضحية إلى جلاد، والجلاد إلى حمل وديع، لذلك فإن أي مجتمع وشعب لديه قضية وحراك ينبغي أن يفكر كيف يوصل قضيته للعالم، فليس من المتوقع أن يبحث أغلب الناس عن الحقيقة حتى يقفوا عليها، ولو كان الأمر كذلك لترك الحسين أسرته وعياله في المدينة المنورة، ولقال إن على الناس أن يبحثوا هم عن الحقائق، كلا، لم يكن الأمر كذلك، بل تحمل الإمام المسؤولية تجاه رسالته وقضيته وجماهير الأمة، واستعدّ من أجل إيصال الرسالة للآخرين.

ونحن حينما نقرأ في خطابات الهاشميين والهاشميات بعد واقعة كربلاء نجد أن لهذه الخطابات سمات مميزة، أبرزها ثلاث:

السمة الأولى: استخدام منطق القيم

لقد تميز خطاب آل البيت بعد واقعة عاشوراء باستخدام لغة المنطق السليم والقيم والمبادئ، ولم يكن بأيّ حالٍ خطابًا انتقاميًا متشنجًا. كان خطاب البيت الهاشمي مؤصلًا للقيم، ويرجع ما حصل إلى المبادئ الحقة، هذا ما نقرؤه في خطب الإمام الحسين وزينب وزين العابدين وبقية الأسرة الحسينية، فقد كانوا يستشهدون بالآيات والمبادئ والقيم، حتى يعطوا للحركة والنهضة بعدها القيمي. ولذلك فإن على الناس الذين يريدون أن يتحركوا من أجل مجتمعهم وقضيتهم أن يضعوا هذا الأمر نصب أعينهم، وذلك بأن يضعوا الأحداث في سياقها القيمي المنطقي، ويتحدثون إعلاميًّا بلغة قيمية، وليس بلغة انفعالية متشنجة، فاللغة الانفعالية قد تستفيد منها أنت في التنفيس عن نفسك، لكن من غير المتوقع أن تترك أثرًا في الطرف الآخر، لذلك ينبغي أن تكون اللغة الإعلامية المستخدمة منطقية قيمية باستمرار.

السمة الثانية: إبراز المظلومية وفضح الظالمين

حرص رموز البيت الهاشمي على الحديث مفصلًا عن مظلومية أهل البيت . وفي هذا السياق نعلم جميعًا كيف خاطبت عقيلة الطالبيين زينبF يزيد بن معاوية في مجلس الحكم في الشام، وأمام الناس قائلة: «أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك حرائرك وإماءك، وسوقك بنات رسول الله سبايا على ظهور المطايا، قد هتكت ستورهن، وأبديت وجوههن....»، وفي السياق ذاته تحدث الإمام السجاد في الكوفة عن الظلامة التي لحقت به وبأهله بالقول «أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أنا ابن من انتهكت حرمته وسلبت نعمته، وانتهب ماله، وسبي عياله، أنا ابن المذبوح بشط الفرات من غير دحل ولا ترات، أنا ابن من قتل صبرًا وكفى بذلك فخرًا».

لقد كان من أركان الخطاب الإعلامي لآل البيت إبراز المظالم الفادحة التي تعرضوا لها. فليس من الصحيح إغفال المظالم التي يتعرض لها المجتمع الذي يدافع عن قضيته، بل يجب توثيقها وعرضها للرأي العام.

السمة الثالثة: استثارة الوعي والوجدان عند جماهير الأمة

ينبغي لأصحاب القضايا العادلة أن يخاطبوا عموم الجمهور وعدم الاكتفاء بمخاطبة الخصوم. فمن الخطأ جعل المعادلة الإعلامية وكأنها صراع بين سلطة ومعارضة، فيما يغفل الخطاب الموجه للجمهور الأوسع نطاقًا، ينبغي أن نعلم أن هناك جمهورًا وشعبًا وأمة ينتظرون سماع الحقائق، إن علينا أن نخاطبهم وأن نستثير الوعي والوجدان في نفوسهم، لا أن نتركهم ونسلمهم للإعلام المضلل، فهذا ما كان يركز عليه الإمام الحسين وخطاب الهاشميات من بعده.

ينبغي أن تأخذ الشعوب هذه الدروس والعبر من أجل نصرة قضاياهم، عبر مزيد من الانفتاح الإعلامي على محيطهم، فلا يصح أبدًا أن ينكفئ الناس وينغلقوا على ذواتهم ويتقاعسوا في إيصال وشرح رسالتهم للآخرين، فهذا من أهم الدروس التي يجب أن نستلهمها من قضية الحسين .

خطيب وكاتب سعودي «القطيف»