آخر تحديث: 23 / 6 / 2017م - 3:47 ص  بتوقيت مكة المكرمة

حبيب محمود: لا يمكنني القراءة بعيني وعقلي وحسب.. قلبي يقرأ.. وأذني تقرأ

جهينة الإخبارية حوار - عبدالرحمن الخضيري - صحيفة الرياض
حبيب محمود
حبيب محمود

يؤكد الروائي حبيب محمود أنه لا يمكن تغيير إنسان في بيئة غير معرفية، قائلاً حين تتراجع المعرفة تتقدم الخرافة بكل تشكيلاتها ومرجعياتها، ولا يخفي مؤلف «حافة أنثى» تأثره بمؤلفات العراقي الدكتور علي الوردي فهو يقول عن ذلك: لو عرفته في سن انتباهي الأول لاختصرت عقداً كاملاً من مقارعة الكثير من القضايا، حبيب محمود شاعر وروائي عمل ما يقارب الثلاثين عاماً في الصحافة حيث يعد مؤلف «زمبوه «من القلائل الذين تركوا لهم بصمات في المشهد السعودي والعربي، ما ميز حوارنا مع حبيب محمود «الحميمية» وهو يتذكر بداياته الاولى مع الكتاب والكتابة حين حاول تقليد من سبقوه تأليفاً لتثمر محاولاته عن كراسة اسمها «العوامية» قريته ومسقط رأسه ومازال محتفظا بها منذ عام 1403 هـ فإلى الحوار:

ما الكتاب الذي أحدث تأثيراً فيك بعد قراءته..؟ وما نوع التأثير..؟

ل ”ساحل الذهب الأسود“ تأثيرٌ أثيرٌ في انتباهي الأول إلى موقعي من العالم. كنتُ في الرابعة عشرة حين اشتريتُه من أجرِ يوميةِ عمل في البناء العربيّ. خرجتُ من صفحاته ال 320 وأنا مأخوذٌ بالنوافذ التي فتحها لي محمد سعيد المسلم، رحمه الله. أن تقرأ اسم قريتك في كتابٍ؛ فإن ذلك ينبّه فيك غرورَ المعرفة. فما بالك حين تعرف التاريخ والسياسة والاقتصاد والأدب والثقافة في محيطِ مسقط رأسك وقلبك، منذ ما قبل التاريخ، حتى قبل ولادتك بسنواتٍ. لشدةِ ولعي بالكتاب؛ حاولتُ تقليده؛ ف ”ألّفتُ“ كراسةً مشابهةً له، ولكن عن ”العوامية“، وليس عن المنطقة الشرقية السعودية. وما زلت احتفظ بالكرّاسة منذ صفر 1403. وقتها؛ كنتُ أحسبني ”شاعراً“، والكتاب عرّفني بأسلافي الشعراء الذين عاشوا في تاريخ الشطر الشرقي من وطني. حفظتُ، من الكتاب، نصوص عمرو بن قميئة، وطرفة بن العبد، والمثقب العبدي، والصلّتان العبدي، وصولاً إلى عبدالله الجشي ومحمد سعيد الخنيزي. وامتثالاً لسيّدي الشعرِ؛ درّبتُني على حفظ نصوصه من الدواوين. لكنّ وقوع يدي على ”جواهر الأدب“ للسيّد أحمد الهاشمي كان اكتشافاً مُدهشاً، فمنهجه في ترتيب النصوص انسجاماً مع تاريخ الأدب العربيّ؛ ملأ فراغاتٍ عندي في فهم التراث الأدبيّ، وساعدني على بناء ذائقة كلاسيكية من نصوص السلف الجميل من شعراء عصور الأدب. ومرةً أخرى؛ وجدتني أتتلمذ على يد الهاشمي في ”ميزان الذهب في صناعة شعر العرب“. كتاب العروض الصغير الذي بقي سنة كاملة من دون أن أعرف وسيلة لفهمه، ولا أعرف كيف يُقرأ مطلقاً. ثم لا أدري كيف صار الكتاب سهلاً بلا معلم أو شارح. ولم تمضِ أشهرٌ إلا وأنا أضع تفاعيل البحر في رأس الصفحة التي أكتب فيها كلّ قصيدة عمودية. هذه الكتب الثلاثة؛ أسّست فيّ المعرفة الأولية للتاريخ والسياسة والاقتصاد والأدب والعروض. غذّت فيّ رغبة الأديب الواعد الذي يطمح إلى أن يكون ”شاعراً“ حين يكبر. أمضيتُ السنواتِ العشرِ اللاحقة مشتغلاً بالشعر والأدب والنقد. وظننتُ ألّا طريق لي غير هذا. ولكنّ ظنّي تشعّب إلى ظنون أخرى.

لو عاد بك الزمن؛ ما الكتاب الذي تودّ أنك قرأته في وقتٍ مبكّر؟ ولماذا؟

”وُعّاظ السلاطين“ أولاً، ومعه سائر طروحات الدكتور علي الوردي، وبالذات ”دراسة في طبيعة المجتمع العراقي“. كثيراً ما تمنّيتُ لو أنني عرفتُ ”فكر“ الدكتور الوردي الاجتماعيّ في منتصف الثمانينيات. فأنا لم أقرأه إلا منتصف التسعينيات. لو عرفتُ الورديّ في سنّ انتباهي الأول؛ لاختصرتُ عقداً كاملاً من مقارعة كثيرٍ من قضايا التاريخ، ووفّرتُ خطواتٍ عريضة في فهم المسألة الاجتماعية. صحيحٌ إن الورديّ ركّز اشتغاله في المجتمع العراقيّ، إلا أنّ العقل العربيّ، في محيطنا الإقليمي، محكومٌ بالظواهر العامة التي فكّكها عالم الاجتماع العراقيّ. البديهة التي اهتدى إليها الورديُّ تتلخَّصُ في استحالة تطبيق آليات البحث الاجتماعيّ الغربية في مجتمع شرقيّ. لذلك؛ أوجد الآليات المناسبة في أبحاثه وأبحاث تلاميذه، وعليه؛ بنى رؤيةً اجتماعيةً أمينة ل ”طبيعة المجتمع“، غير مبالٍ بجفافٍ الأكاديمية المُصمتة. الأهمُّ؛ أنه منح المتلقّي حقّ التفكير الحرّ، ولم يحاصره باستعراضات معرفية مفصّلة على قيمٍ بعيدة عن المجتمع الشرقيّ. لو عرفتُ الورديّ مبكّراً؛ لأدركتُ جهلي على نحوٍ أفضل.

هل ترى أن القراءة محركٌ أو دافعٌ للتغيير في وقتنا الحاضر..؟

وفي كلّ الأوقات أيضاً. القراءة تعني التواصل مع المعرفة، والتواصل مع المعرفة يعني فتح النوافذ على الحقائق والظواهر. حين تتراجع المعرفة؛ تتقدّم الخرافة بكلّ أطيافها ومرجعياتها. لا يمكنك إحداثُ تغيير إنسان في بيئة غير معرفية. ولا يمكنك احتكار المعرفة وتطلبُ  مع احتكارك  بناء إنسانٍ قادر على التفكير الحرّ، والمشاركة في القرار، والمساعدة على مواجهة المجتمعات المعرفية. كما لا يمكنك أن تصنع أسواراً حول معرفةٍ محددة، وتنتظر أن يُنتج المجتمع منها عقولاً وأفكاراً قادرة على بناء الحياة. المعرفة حقٌّ مشاعٌ، وخياراتها حقٌّ مشاع أيضاً، والقراءة واحدةٌ من بوّاباتها العريضة.

ما سمات الكتاب الذي يلزمك قراءته كاملاً..؟

أمارسُ طبيعتي حتى في القراءة. إنني أزعم بأنني كائنٌ مزاجي وعفويّ وتلقائيٌّ. على ذلك؛ أنا انتقائيٌّ أيضاً. الكتاب الذي أقرأه من الغلاف إلى الغلاف هو الذي يعنيني أمره في جانب من جوانب اشتغالي. وتبعاً لبعثرة اهتماماتي في الشعر والسرد والفلكلور والاجتماع والإعلام؛ فإنني أحترم في الكتاب جدّيته وأصالته.. لكنّ ذلك غير كافٍ حين ترتبك لغته.. أهرب من الكتاب المحرر تلفيقاً صحافياً.. لا يمكنني احتمال فقرة من 500 كلمة، وأنزعج من تكاثر الجمل الاعتراضية، وأخطاء النحو والطباعة، والجمل الطويلة الممطوطة مطّاً. ربما أستثني هذه المعوّقات؛ حين لا أجدُ بدّاً من إكمال الكتاب لسببٍ بحثيٍّ صرف. إلا أن ذلك يسرق متعتي بلا رحمة. أظنّ أن كثيراً من المؤلفين والمترجمين  يُفسدون الذائقة إفساداً. صدّق أو لا تصدّق؛ تركتُ ”هكذا تكلّم زرادشت“ قبل إكمال 30 صفحة منه. لم يشفع فريدريك نيتشة لعمله ذي السمعة العالمية حين حاولتُ إجبار نفسي على ملاحقة ارتباك لغة المترجم. أظنّي معيبٌ بقلة الصبر على قراءة الكتب المشبوهة تجارياً. أعني تلك الكتب التي ترميها دور النشر في عهدة مترجمين لا حسّ عنده، ومن ثمّ بيعها امتهاناً للمحتوى. ولم يعد بإمكاني إصلاح هذا العيب. لا يمكنني القراءة بعينيّ وعقلي فحسب.. قلبي يقرأ.. أذني أيضاً تقرأ، ربما هي أهمّ حاسة تراقبني عند القراءة.. وعند الكتابة أيضاً.