آخر تحديث: 26 / 6 / 2017م - 3:23 ص  بتوقيت مكة المكرمة

كتابُ: «الفكر والاجتهاد - دراسات في الفكر الإسلاميّ الشيعي» لزكي الميلاد

العقلانية التاريخيّةُ للفِكْر الإماميّ

جهينة الإخبارية

«إنّ الفِكر الإماميَّ كان فكراً عقليّاً عقلانيّاً على العموم. وأما التيّارات التي كان لها من العقل موقف سلبي، فهي استثناء في مسار التفكير الاجتهادي عند الإماميّة». هذه هي النتيجة التي يخلص إليها الباحث والكاتب السعوديّ زكي الميلاد، في كتابه ”الفكر والاجتهاد - دراسات في الفكر الإسلاميّ الشيعيّ“ «الصادر حديثاً لدى ”مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي“ في بيروت، وفي طبعة أولى 2016، وهذا الكتاب هو من ”سلسلة الدراسات الحضارية“ التي يُصدرها المركز"».

فعن دور العقل وأثره في المعرفة الدِّينية، تدور أبحاث هذا الكتاب، الذي يحاول الكاتب فيه معالجة هذه المسألة. وهذا الكتاب يمتاز بأنه لا يعالج الفكرة في الهواء الطّلق وبنظرةٍ عامة؛ وإنما يعالجها عند مجموعة من الفقهاء أو الفلاسفة أو التيارات الفكرية التي كان لها من العقل موقف ولها فيه رأي.

وقد استعرض الكاتب في كتابه، مراحل تشكُّل الموقف الإمامي من العقل؛ وعكف بعد ذلك إلى دراسة عدد من النّماذج كالمحقِّق الدَّاماد، الذي لم يحظ بما يستحقّ من الشّهرة في الأوساط الأكاديميّة، وتوقّف مليّاً عند صدر الدِّين الشيرازيّ، لما بينه وبين أستاذه آنف الذِّكْر، من صلةٍ ينبغي أن يُكْشف النِّقاب عنها؛ لتتضح صورة التأثير والتأثّر المتبادلة بين الرّجلين. ثمّ بعد ذلك وقفَ عند الاستثناء الذي أشرنا إليه، وهو الحركة الأخباريّة التي نشطت مدّة من الزّمن، في التقليد الإماميّ، ثم انحسر دورها وخبار وهج نشاطها، وما زال حتى عصرنا هذا.

وبتقديرنا - يقول المركز في نصّ التقديم - فإن هذا الكتاب يقدم صورة على درجة من الوضوح، عن موقع المدارس العلمية الإماميّة، من العقل وحدود دوره.

ذلك أنه، وفي نطاق العلاقة بين الفكر والاجتهاد، تتحدَّد فصول هذا الكتاب، وهي الفصول التي تكشف عن بعض ملامح الدِّيناميّة الاجتهادية في الفكر الإسلاميّ الشّيعيّ وعناصرها، وتحديداً في بعض الأبعاد المهمّة مثل: الفقه، وأصول الفقه، والفلسفة، والاجتماع السياسيّ.

ويقول المؤلِّف في المقدمة: إنّ صورة الفكر الإسلاميّ الشّيعيّ في التّاريخ، هي صورة الفكر الذي اكتسب القدرة على البقاء والاستمرار، مع كل ما تعرّض له من قمع واضطهاد، ومن حصارٍ وتضييق، ومن إلغاء وإقصاء، ومن جهل وتجاهل، فمع كل هذه المحن والتحديات والسياسات القاسية والمستمرّة، بقي الفكر الإسلاميّ الشِّيعيّ في التاريخ ثابتاً ومحافظاً على ذاتيّته، ووجوده، وعطائه، وحركته وبلا توقُّف. وما يثير الدهشة أن الفكر الإسلاميّ الشيعيّ، لم يحافظ على وجوده في التاريخ فحسب، بل احتفظ كذلك بديناميّته وعُرف بحسّ الحركة، وتميَّز بهذا الحسّ، وظلَّ متغلّبا على مظاهر السّكون ومتخطّياً آفات الجمود، وهذا الذي ضمن له إثبات وجوده في التاريخ، والقدرة على عبور الأزمنة، فثمة تلازُم بين الوجود والدِّينامية، فالوجود كاشف للدِّيناميّة، ولولا هذه الدّينامية لما حصل هذا الوجود وتحقَّق، ومن الثّابت أن السُّكون سبيل إلى الفناء والحركة سبيل إلى البقاء. ومنشأ هذه الدينامية وحس الحركة في الفكر الإسلاميّ الشيعيّ، نابع من مبدأ الاجتهاد الذي بقي مفتوحاً، ولم يُغلق على الرغم من جميع المحن الفكريّة والتاريخيّة. وهو المبدأ الذي ميَّز الفكر الإسلامي الشيعي وأعطاه صفة التفوّق وأصبح متفرّداً على باقي المدارس الفكرية الإسلامية الأخرى التي اضطرّت إلى إغلاق باب الاجتهاد، منذ وقت مبكر. «فلقد تعامل» الفكر الإسلامي الشيعي مع الاجتهاد بوصفه فعلاً مستمراً لا يتوقف ولا يُغلق ولا يكتمل، وبوصفه كذلك فعلاً محفّزاً على الإبداع والتجديد والابتكار.

ويتكوّن هذا الكتاب، من عشرة فصول: الفصل الأوّل يتناول: «الفكر الإسلامي الشيعي والاختبارات التاريخية»، ويُفيد هذا الفصل: أنه ما بين العصرين القديم والوسيط، في المجال الإسلامي، مرّ الفكر الإسلاميّ الشّيعي بأربعة اختبارات فكرية، كانت مؤثّرة وخطيرة للغاية، خرج منها سالماً ومتفوّقاً، محافظاً على توازنه وتماسكه الفكريّ والرّوحي، ولم يتقهقر أو يتراجع أو ينتكس، وهذه الاختبارات الفكرية الأربعة هي:

الاختبار الأول: في القرن الثاني الهجريّ؛ - والاختبار الثاني: في القرن الرابع الهجري، والاختبار الثالث: في القرن السادس الهجريّ؛ والاختبار الرابع: حصل ما بين مطلع القرن الحادي عشر والنصف الأوّل من القرن الثالث عشر الهجريّين.

إن هذه الاختبارات الفكرية والتاريخية، هي التي كشف انتصار الفكر الإسلاميّ الشيعيّ فيها، عن تطوُّر الحركة العقلية في هذا الفكر، من جهة، وبقاء هذه الحركة وديمومتها، من جهة أخرى، وهي الحركة التي ألهمت الفِكر الشّيعي ديناميات التطوّر والتّجديد.

والفصل الثاني، يتعامل مع «أصول الفقه وتطوُّر فكرة العقلانيّة في الفكر الإسلاميّ الشّيعي». ومما يؤكده هذا الفصل: أنه لقد ثبت بشكل قاطع أنّ أصول الفقه، مثّلت منبعاً ثريّاً لفكرة العقلانية في المجال الإسلاميّ، وكيف أنها أسهمت في تطوُّر هذه الفكرة، بحيث فتحتها على حقل في غاية الفاعليّة والتأثير، هو حقل التشريع الإسلامي. ولقد كشفت أصول الفقه عن نزعةٍ عقليّة فاعلة ومؤثّرة عند المدرسة الإماميّة، بحيث يمكن القول إنّهم أصحاب نزعة عقليّة حقيقيّة.

والفصل الثالث هو بعنوان: «السيد محمد باقر الدّاماد: مكانته وفلسفته». ويشير هذا الفصل إلى ثلاثة عوامل أساسية أسهمت في جعل السيد الدّاماد، في دائرة التّذكرّ المستمرّ، وفي تعزيز مكانته الدينيّة والفلسفية، في تاريخ حركة الفكر الإسلاميّ الفلسفيّ في إيران، وهذه العوامل الثلاثة هي: أوّلاً: الدور المهم والفاعل الذي كان له، في نهضة مدرسة أصفهان الفلسفيّة، وتقدُّمها في العصر الصفويّ، فلقد قامت هذه المدرسة بأدوار مهمّة وحيويّة، في تاريخ تطوّر الحياة الفكرية والفلسفية في إيران. ثانياً: طبيعة العلاقة التي كانت قائمة بين السيّد الدّاماد، والدولة الصفويّة وحكّامها، والتي مثّل ظهورها في بداية القرن العاشر الهجريّ، السّادس عشر الميلادي، حدثاً كبيراً ومؤثِّراً، ليس فقط في تاريخ تطوّر إيران السياسي والثقافي، الذي غيّر وجهتها، وإنما في تاريخ تطوّر العالم الإسلاميّ برمّته. ثالثاً: علاقة السيد الداماد بملاّ صدرا الذي كان تلميذاً مقرَّباً منه ومعروفاً عنده، وهو الفيلسوف الذي اكتسب شهرةً متعاظمة عند الإيرانيِّين، وما زالت متعاظمة إلى اليوم، بشكل تلفت الانتباه بشدّة على هذا الفيلسوف، وهذا التّعاظم المدهش لمنزلة ملاّ صدرا الشِّيرازي، ظلّ يلفت النظر، باستمرار، إلى أستاذه السيد الداماد.

والفصل الرابع هو بعنوان: «ملاّ صدرا والحكمةُ المتعالية». والحكمة المتعالية هي التي تتصف بها فلسفة ملاّ صدرا، الذي اشتُهر بتفوّقه الفلسفيّ، إذ هو الذي تمكنت فلسفته، إزاء الاتجاهات المناوئة لها بشدّة، وفي أزمنة متعاقبة والتي لم تتوقف إلى اليوم تمكنت هذه الفلسفة من الثبات والبقاء بمحافظتها على تجدّدها وتطوّرها، وباتت تمثّل اليوم الإطار المرجعيّ الذي تنتمي إليه الفلسفة الإسلامية المعاصرة في إيران.

والفصل الخامس يدور حول: «النزعة الأخباريّة عند المسلمين الشّيعة». هذه النزعة التي ظهرت مع بداية القرن الحادي عشر الهجريّ، في السّاحة الفكرية عند المسلمين الشيعة، كنزعة فكرية دينية، كان لها تأثير واسع، في زمنها، هي التي كان في مقابل أصحابها، أصحاب النزعة الاجتهادية الذين أسهموا في تطوّر أصول الفقه، وتقدُّم الفكر العلمي في ساحة المسلمين الشيعة، ولقد مُنيت النزعة الأخبارية بالتراجع والأفول في النصف الأوّل من القرن الثالث عشر الهجري.

والفصل السادس يتناول: «جدليات الجماعة والأمّة في المجال الإسلامي الشيعي الحديث والمعاصر». ويؤكد هذا الفصل أن الاتجاه نحو فكرة الأمّة، كان يمثّل اتجاهاً قائماً ومؤثّراً في المجال الإسلامي الشيعي، وممتدّاً من الأزمنة الوسيطة إلى الأزمنة الحديثة والمعاصِرة، وما زال، وهو الاتجاه الذي عُرفَ بنزعته الإصلاحيّة والتجديدية، وبدعوته إلى الانفتاح والتّواصل بين المسلمين كافة.

والفصل السابع، محوريّته هي «المسلمون الشيعة ومسألة التقريب بين المذاهب الإسلامية» ولقد جاء في هذا الفصل أن التجارب والمشاريع التي حملت صفة التقارب والتقريب بين مذاهب المسلمين في العصر الحديث، جاءت بمبادرة من المسلمين الشيعة، واتّصلت بهم حركة ونشاطاً، خطاباً ورجالاً.

والفصل الثّامن يتحدث عن «السيد موسى الصّدر والمشروع السياسي الوطني للمسلمين الشيعة في لبنان». ويقول المؤلّف إن المشروع السياسي الوطني الذي أسهم السيد الصدر في بلورته وصياغته، يُعَدُّ واحداً من أنضج المشاريع السياسيّة الوطنيّة، التي أنجزها المسلمون الشِّيعة في تاريخهم السياسيّ الحديث، ومن أكثر المشاريع تماسكاً ووضوحاً.

والفصل التاسع هو بعنوان: «المنحى الجديد في الفقه الشّيعي في مجال المرأة»، وفي هذا الفصل يوضح المؤلِّف أنه يمكن القول إنّ الفقه الشيعي، بات يتقدّم اليوم على باقي المذاهب الفقهيّة الإسلامية الأخرى في مجال التجديد الفقهيّ حول المرأة.

والفصل العاشر والأخير جاء تحت عنوان: «المسلمون الشّيعة: ومكابدة تصحيح الصورة». ويوضح الكاتب، في هذا الفصل، أنَّ انطباعات يمكن وصفُها بالجائزة والظالمة، تكوّنت عن المسلمين الشّيعة من خلال كتابات تناولت الشِّيعة بطريقة مسيئة إليهم، بهدف تشويه صورتهم، من قبل أصحاب هذه الكتابات، لخلْق حالة من الكراهية تجاه المسلمين الشِّيعة، وتكريس ثقافة التّباعد والقطيعة والانغلاق، والإطاحة بثقافة التّارب والتواصل والانفتاح. ويلفت الكاتب في ختام الفصل قائلاً: مع كل ذلك على المسلمين الشيعة أن يلتزموا بمبدأ الأخوّة الإسلاميّة، ويمسكوا بنهج التّقارب والتصالح بين المسلمين كافّة، فالطريق ما زال شاقّاً وطويلاً لتصحيح الصّورة.