آخر تحديث: 18 / 8 / 2019م - 2:05 م  بتوقيت مكة المكرمة

ظاهرة التحسُّس من نقد النتاجين الأدبي والنقدي للحداثة العربية

حسين الخليفة

كأن تيار الحداثة قد اعتاد - منذ صيحته الأولى في عالمنا العربي - على الرعاية الفائقة من حيث توفير الإمكانات لكل من يبشر بالحداثة فكراً ونقدا على صعيدي التنظير والتطبيق، فدور النشر تفتح أبوابها مرحبة بتبني طباعة الكتابات الفكرية والنقدية والإبداعية، ووسائل الإعلام تتابع فتقدم المستخلصات والعروض لتلك المطبوعات، فيما يقوم المعنيون بالدراسات الجامعية والأكاديمية بتقديم قراءات لها تطبع في كتب مستقلة أو تنشر في الصحف الأدبية والمجلات المحكمة وغير المحكمة.

ثم يؤدي الاهتمام والرعاية المذكوران إلى تشجيع طلبة الدراسات العليا - من خلال الحث المباشر من الأساتذة أو من خلال المذاق العام الذي صنعه ذلك الاهتمام - فيعمدون إلى تقديم مشاريع بحوثهم ورسائلهم الجامعية مستعيدة المواضيع نفسها أو أنها تُنوِّع العزف على أوتارها بحيث تظل تسبح مع التيار، مما يؤدي إلى ترسيخ الصورة الجديدة بفعل التكرار التتابعي الذي يوحي بالتميز والنقلة النوعية لما جاء به التيار، كما يوحي - بلحاظ الضد - بالرخص القيمي لكل ما يخالف رؤى الحداثة ومعطياتها.

هذا الدلال الملفت قد خلق تحسّساً من نقد النتاجين الأدبي والنقدي للحداثة العربية، ذلك لأن سياسة التخادم قائمة على قدم وساق بين مدبجي القراءات النقدية ومنشئي الأعمال الإبداعية وكلاهما يحظيان بالرعاية المؤسساتية، مما يجعل من يحاول الاقتراب من رؤى الحداثة ومحاولة نقدها أو نقد المنتج الإبداعي الذي يتمثلها يشعر بالحيرة وهو يبحث عن الوسيلة الإعلامية المناسبة لتقديم رؤيته المخالفة للسائد الموجَّه، ليطلع عليها القراء، وقد يعذر القنوات الإعلامية حين تهمل نشر ما قدمه لها، فهو - وفق حسِّها الإعلامي - يغرد خارج السرب ويسبح ضد التيار..!

ناهيك عن الإيحاءات التي يمارسها كثير من المشرفين على طلبة الدراسات، فيتدخلون في اختياراتهم ويجبرونهم على انتخاب ما يتوافق وأذواقهم «جبراً موضوعياً» مدعماً بدلائل الخبرة البحثية التي تجعل الطالب يندفع إلى تحقيق ما دُفع إليه، فهو «إجبار إرشادي» يصب في مصلحة الطالب الذي ”يُساق إلى الجنة بالعصا“ لينصهر في بوتقة «التنوير»..!

إن المؤسسات الأكاديمية والثقافية والإعلامية قد تنجح حين تتواطأ على احتضان اتجاه معين وتتكالب على رعايته ودعمه، وقد ”تلقي عصاها ويستقر بها النوى“ فتطمئن حين ترى نتاج غرسها قد ظهر للعيان وصار هو السائد والمهيمن على الساحة.

غير أن الدعم المؤسساتي المذكور لن ينجح نجاحاً حقيقياً ما دامت الرؤى المدعومة لم تنبثق من المكتنز الفكري للمجتمع ومن المادة الخام التي يمتلكها ويتشكل وجوده وهويته على أساسها، فسرعان ما تجد الممانعة تنطلق من المجتمع نفسه متى ما أحس باستهداف قيمه الحضارية التي يؤمن بها، فيجعل الفعل المؤسساتي الموجّه الذي يحاول أن يحتويه فعلاً لازماً لا يتعدى الحلقة المفرغة التي يمارس دورانه فيها ضمن مؤسساته التي أطلقته، فهو منها وإليها وهذه هي حدود مجده التي ترسمها الممانعة العفوية للمجتمع المستهدف.

هذا هو التعاطي العفوي من المجتمع العربي مع الفعل الحداثي اللازم والجامد أيضاً، الفعل الذي أدمن هجائيات الجلد الذاتي، ولم يشبع من ترديد كل ما من شأنه سلب الوجه المشرق لحضارة لن يُقضى عليها حين يلقيها فعل الجلد الذاتي في بحر الظلمات.

إن «الفعل الحداثي اللازم والجامد» ظل يردد مقولة «العرب ظاهرة صوتية» ويطلق على نفسه اسم «الحداثة» ويسبقها بلفظ «حركة» ثم بوصف «العربية» ثم يواصل اسطوانة الجلد الذاتي ويسلب العقلانية عن حضارتنا، فهي في عرفه ذات «عقل مستقيل»..!

لله درك أيها الفعل الحداثي المتعدي إلى ثلاثة مفاعيل..! قل لي بربك ودلّني على بصماتك الإبداعية وأنت تتلقف «الحداثة» من انبثاقتها الطبيعية في الغرب حين واجهت أساطير التحجر المناوئة للعلم وكانت لها «حركة» فاعلة في التخلص من ظلمة الأساطير المهيمنة والتمتع بنور العلم ومنجزاته.!

ألم تكن - والحال هذه - أيها الفعل الحداثي أولى بنعت «الظاهرة الصوتية» وأنت تستعير صوت غيرك وتكون مجرد صدى له لا تمتلك حتى إنتاج الصوت..؟!

إن المنصف لا بد أن يكون مع «حركة الحداثة الغربية» في مسألة تحليها بالعلم ومواجهتها للأساطير المسيطرة على عصورها آنذاك، وفي التأكيد على وصفها بالعصور المظلمة التي راح ضحيتها العلماء المبدعون والمبتكرون.

والمنصف أيضاً لا بد أن يهنئ «حركة الحداثة العربية» ويمنحها وسام الاستحقاق لتفوقها في استيراد الأفكار الأخرى واستعارتها وبترها من سياقها وزرعها بعبقرية فذة في تربة شكلت عناصرها في مخيلتها وأسقطتها عليها إسقاطاً يبرهن على تفوق «عقلها المستقيل» ذلك التفوق..!

إن مشكلة «الحداثيين العرب» - إن صح التعبير - أنهم قد انطلقوا من سوداوية الشعور بالضعة والصَّغار المصحوبين بالانبهار تجاه الحداثة الغربية، فقاموا باستنساخ عصورها التي تمردت عليها وكانت مظلمة بالفعل، وأسقطوها على حضارتنا، لتكون النتيجة الطبيعية هي القبول بتوصيفاتها للقضايا الفكرية والدينية والقيمية بلا استثناء.

ومن هذه الرؤى المستعارة بلا وعي  إن أحسنّا النيّة  عنَّ لمنتحلي كتب الحداثة المقدسة أن يولدوا منها «حركة» وينعتوها ب «العربية» ثم بدا لهم أن ينزلوا بكل قوة إلى «حلبة الأدب»، فلعلهم ينجحون حين يحمل الأدب «بشارتهم».

وللإمكانات الفائقة التي سُخرت لهم - كما تقدم - كان لهم وجه هيمنة في الإطار المؤسساتي الموجّه وفي ظل السلطات الزمنية الداعمة، ولتكريسهم الرسمي ظهرت بكل وضوح ثنائية «الرسمي المدعوم» في قبال «الشعبي المهمل»، ولأن الأخير يشيع وينتشر ويجد فعله بادياً على قسمات الوجوه ومسموعاً مع دقات قلوب الناس بصورة عفوية غير متصنعة - لهذا وذاك - ظهرت أيضاً ثنائيات «النخبوي / الجماهيري»، «السطحية / العمق»، «المباشرة / الغموض»، «التحرري / العقدي»، فانطلقت عجلة النقد الحداثية بكل طاقتها، لتمارس مرة أخرى «عقلها المستقيل» فتجتر مستنسخة الأفكار النقدية للتيارات الأدبية الغربية التي لها سياقاتها الخاصة التي أفرزتها، وكثيراً ما يعكس النقل قلة فهم الناقل لما ينقل على صعيد الفكر، بل هناك مصطلحات قد ترجمت ترجمة خاطئة وشرحت شرحاً بائساً مشوهاً عاكساً حالات الذوبان والانبهار والعجلة لمن استعجل وانبهر وذاب واستقل عن حضارة أمته بعقله النوعي المستقيل..!

هذه الهيمنة التي تعملقت في ظل السلطات الزمنية المناوئة للدين، ما كانت لتتعملق إلا بعدما عملت على محاصرة الفكر المغاير، إمَّا بإهماله، وإمَّا بمحاربته محاربة مباشرة متى ما شعرت بخطر حضوره الفاعل المتعارض ومعطيات مشروعها التحديثي التقدمي، فكانت وهي المتغنية بالحداثة وحرياتها تلتقي وعمل محاكم التفتيش في الحقبة الأوروبية المظلمة، فتعمل على إقصاء كل فكر أو أدب تُشم من رؤاه رائحة المضامين المنطلقة من حضارتنا والمشبعة بنكهتها الخاصة حتى لو لم تتعرض لنقد تيار الحداثة بصورة مباشرة، فيكفي أن يخلو من ملامحها ليوصم بأنه فكر رجعي ظلامي، ويكفي بالأدب أن ينطلق من معنوياته ليتهم بالخطابية والاجترار وفقدان الرؤية المعاصرة أو الرؤيا - كما يحلو لنزعة الحداثة المتلبسة بالشكل الذي يخيب أمل المنخدعين بلمعانه حين لا يظفرون بمعنى ذي قيمة يستحق الوقوف أو الاستغراق في التأمل، بل إن ما يختفي خلف ألفاظها المستعملة ما جاء إلا لغرض ذر الرماد في العيون وإطلاق الفقاعات التي لا ينفعها طيرانها حين تقضي عليها أضعف نسمات الهواء..!

لقد آن الأوان للمشغل الأدبي في جانبيه الإبداعي والنقدي أن يذكِّر أنديته وقنواته الإنتاجية والإعلامية بضرورة الإخلاص لمبدأ حرية الرأي، لتسمح للقراءات الناقدة لتيار الحداثة بأن تدلي بدلوها، وتجعل من الدليل عمدة في القبول أو الرفض للرؤى المطروحة، لتمنح فضاءها شيئاً من التنوع والحيوية، وأن تدرك بوعي أن إلباس تيار أدبي ناشئ لباس القداسة يضره ولا ينفعه ولا يمكن للتصرف المذكور أن يمنحه صفة الخلود.

كما أن خوف ناقد التيار المذكور من اتهامه بالسلفية أو الرجعية أو الأمية وقلة القراءة والجهل المطبق وما إلى ذلك من تهم جاهزة، أقول إن الخوف من تهم من هذا القبيل لا مبرر له ما دام الفيصل هو القراءة الفاحصة الواعية الكفيلة بكتم ضجيج التهم، فحري بالدراسات الجامعية أن تعمل على إعادة قراءة ما أفرزته الحداثة على مستويات النقد والإبداع والمرجعيات، ووضعها في سياقاتها وأطرها الحقيقية، وقياس تمثلاتها من قِبَل التيار، وصولاً إلى الإجابة المعرفية الفاحصة لفرضية القول بنمطيتها وخطابيتها المتترسة بدعوى الحركية الإبداعية المتحولة المناوئة للتكلس والثبات.