آخر تحديث: 17 / 1 / 2017م - 11:29 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الحميدي يُصدر روايته «الشهداء» ويؤكد:”كائنات الضوء لا تموت“

جهينة الإخبارية حوار: جمال الناصر - القديح

رواية «الشهداء»، تعد إصدارًا للكاتب والروائي محمد الحميدي، التي تتحدث عن حادثة التفجير الإرهابي، الذي نفذه أحد المنتمين لتنظيم «داعش» الإرهابي، مُخلفًا شهداء سقطوا مضرجين بدمائهم وجرحى يُكابدون الألم، لتؤكد بأن الشهداء «كائنات الضوء لا تموت» وإنهم مصابيح تُنير الطريق للآخرين.

لقد كانت لغة الحميدي البلاغية الخصبة حاضرة وبقوة في منتجه، ليكون بذلك منتجًا نخبويًا، يُعري فيه الفكر الإرهابي الضال، غير الإنساني بمنطق الأديب الحاذق، زاده لغته البهية الثقافية النقية، مُتجولاً في بدايتها على قرى وبلدات المنطقة جُغرافيًا واجتماعًيا، كأنما مؤرخ أراد أن يُوثق لنا حدثًا وثقافة وبيئة وحياة.

نهيم مع الروائي محمد الحميدي في فكره ويراعه، ليأخذنا لتلك الفترة، حيث «الشهداء»، الذين لم يغيبوا يومًا عن أرواحنا وفكرنا وحياتنا، نستبق الخطى في بهو هذا المنتج النوعي، الذي سيكون له موقع وحاضر ومستقبل للأجيال.

تحدث لنا عن بطاقتك الشخصية؟

محمد عبد الكريم الحميدي، مواليد القديح، درست المراحل الثلاث الابتدائية والمتوسطة والثانوية في داخل البلدة - القديح -، قبل الانتقال إلى جامعة الملك فيصل بالأحساء للحصول على شهادة البكالوريوس التربوي في تخصص اللغة العربية، عملت بعدها مدرسًا في التعليم العام منذ عام 1422 هجرية ولازلت إلى اليوم على رأس العمل. حاصل على شهادة الماجستير في الأدب العربي والنقد الأدبي من جامعة المدينة العالمية» ميديو «في ماليزيا، لدي من الأبناء: القاسم والزهراء.

كم عدد الإصدارات التي رأت الضوء - لحد الآن - لتسكن في نافذة القارئ؟

رواية «الشهداء»، هو الإصدار السابع والثاني على مستوى الكتابة الروائية، وإصداراتي هي:

  1. «السياق والأنساق - ما السياق؟ ما النسق؟ -، صادر عن دار النفائس للنشر والتوزيع 2013م».
  2. «خارج الزمن - دراسة في الخطاب -، صادر عن أطياف للنشر والتوزيع 2013م، وتوزيع دار العلوم ناشرون».
  3. «العروج ”نص شعري“، صادر عن أطياف للنشر والتوزيع 2013م، وتوزيع دار العلوم ناشرون».
  4. «التحولات صادر عن أطياف للنشر والتوزيع 2014م، وتوزيع دار العلوم ناشرون».
  5. «صمت - رواية -، صادر عن أطياف للنشر والتوزيع 2014م، وتوزيع دار العلوم ناشرون».
  6. «الحطام - ”نصوص“، صادر عن أطياف للنشر والتوزيع 2014م وتوزيع دار العلوم ناشرون».
  7. «الشهداء ”كائنات الضوء لا تموت“ - رواية -، صادر عن أطياف للنشر والتوزيع 2016م».

رواية «الشهداء»، مساحة تأخذنا لحدث مفجع، أصاب الجميع بالحزن والأسى، وهو حادثة التفجير الإرهابي، الذي نفذه أحد المنتمين لتنظيم ”داعش“، الإرهابي بمسجد الإمام علي ، متى كانت ولادة اللحظة الأولى للكتابة، وأي رؤية كُنت تنشدها آنذاك بحكم أن الحدث يُعتبر دخيلاً على مجتمعنا؟

ربما لا أستطيع وصف الحالة الشعورية التي مررت بها وقتما حدث الانفجار، والانفعالات المصاحبة، فالأثر كان وقعه مزلزلاً عليَّ من الداخل، وخصوصًا أنني فقدت أحد المقربين جدًا إلى نفسي، ابن أختي الشهيد أحمد آل عبيد - رحمه الله -.

الحادثة استولت عليَّ من لحظاتها الأولى، وقتها كنا نستعد لأداء الطلاب للامتحانات النهائية ونقوم بتجهيز اللجان والأوراق وتقسيم العمل المدرسي، في ذلك اليوم، تلك الظهيرة كنا نصلي في المسجد القريب من المنزل «مسجد الإمام الحسين - ع -»، ووصلت الأنباء لنا بأن حادثًا مروعًا، انفجارًا حصل في «مسجد الإمام علي - ع -»، فكنت أحد المبادرين للذهاب إلى هناك بعد الفراغ من أداء الصلاة، التحمت بالحشود داخل المسجد وخارجه، ساعدت ما استطعت، اقتربت من الأشلاء المتناثرة، وجدت بقايا المجرم، شاهدت وجهه، حالة من الانفعال والذهول أخذتني في عوالم بعيدة وغريبة عن الواقع، فالحدث أكبر من الاحتمال.

الشهداء والجرحى لم تظهر أعدادهم وأسماؤهم إلا فيما بعد، لكننا كنا واقعين تحت تأثير الصدمة المهولة، وكيف استطاع أحد المارقين من أتباع الفكر الضال اقتراف هكذا جريمة، حدث رهيب أقلق سكون البلدة الآمنة المطمئنة، وأحال نهارها المشرق إلى ظلام مطبق، ظلام الجهل والجريمة.

شاركت فيما بعد في مراسم التشييع والعزاء، وهنا ينبغي أن أرفع القبعة وأنحني احترامًا لكل المشاركين والمنظمين، الذين كانوا في قمة الوعي والتحضر، فلم تكن الأصوات النشاز الداعية إلى الانتقام لتظهر، بل غلب الصوت المعتدل؛ الذي يدين الفاعل وجريمته، ولا يدين طائفة أو فئة من المجتمع.

ما استشعرته من روحانية عالية في التشييع والعزاء ولَّد في ذهني شرارة الفكرة، وقدح النار التي أثمرت عن العمل الروائي الحالي، أخذت في التفكير أولاً حول الطريقة المناسبة لكتابة الحدث وإظهاره للمجتمع، لم أجد أفضل من الرواية شكلاً أدبيًا تسهل قراءته وتداوله ويتلمس مشاعر الناس وإحساساتهم، فاتخذت القرار النهائي بالكتابة عقب الفراغ من العزاء، وهكذا كان.

انشغلت بتتبع الأخبار والحصول على تفاصيل الشخصيات وعدد الشهداء وأبنائهم وزوجاتهم والآثار المدمرة التي نبعت من الجريمة، ولقربي من المركز الإعلامي للحادثة ومعرفتي بالأشخاص العاملين فقد سهلوا لي الحصول على الكثير من المعلومات وبيانات الشهداء والمصابين، وهنا أتقدم لهم بالشكر الجزيل هم وإدارة جمعية مضر الخيرية.

تجول الكاتب في بداية الرواية، مسلطًا الضوء على المنطقة جُغرافيًا، معرفًا الحياة الاجتماعية، وبما تتميز. كحالة سردية مفعمة بالعنصر البلاغي، وخلق صور جمالية، بعيدًا عن المباشرة السردية في تناول الحادثة، هل أراد الكاتب أن تكون روايته نخبوية لحد ما، ما تعليقك؟

الحدث الفاجع ليس سهمًا أصاب بلدة القديح وحدها بل أصاب القطيف في مقتل، الجسد واحد والقديح، هي القلب الدامي في هاته الحادثة، فقررت البدء من الجسد وإظهار التلاحم الكبير بين أجزائه، فحينما بكتِ القديح هطلت الدموع في التوبي وصفوى وتاروت والعوامية والأوجام والخويلدية، بل هطلت في الأحساء والبحرين والمدينة والرياض ونجران والطائف، ولأن الرواية سوف تتحدث عن بقعة جغرافية على ساحل الخليج العربي فقد آثرت الاكتفاء بوصف المناطق القريبة وبيان اللحمة الجسدية والنفسية لأبنائها دون التقليل من البقية، ففي النهاية ظروف الكتابة تحتم على الكاتب الاتجاه صوب هذا المسار دون ذاك، وهذا ما حدث.

أما فيما يتعلق بالوصف الساحر للمناطق فهو بناء على مشاهداتي ومعرفتي بأهل هاته المناطق، فنحن واقعًا نعيش حالة واحدة، ولا يعني الافتراق الجغرافي امتلاكنا لثقافات متعددة، بل هي ثقافة واحدة، إنما هنالك تنويعات وتفريعات، فأهل العوامية هم أنفسهم أهل القديح، وينطبق ذلك على أهل الخويلدية والربيعية والبلدات الأخرى.

أردت إظهار مدى الاختلاف في التكوين الثقافي لكل بلدة وأنها تنحو اتجاهًا مختلفًا عن البلدات المجاورة ولكنها في الأخير تعيش ذات الاتحاد في الهوية والثقافة والتفكير رغم ما يتبدى من عوامل قد تبدو في شكلها الخارجي أنها مخالفة للبقية، وهذا ما أردت الوصول إليه؛ أن الاختلافات أحيانًا ليست سوى صورٍ متنوعة، ولكنها لا تعني القطيعة من الجذور مع باقي البلدات، فالمشتركات أقوى.

بشأن السردية في الوصف فذلك عائد للاستخدامات الأسلوبية والتقنيات الروائية، فليس الهدف هو الوصف فقط، بل تسجيل موقف يبقى أثره في النفوس، فكما شاركَنا الجميع؛ جميع أهل القطيف، وكذلك جماعات من خارج القطيف، وتفاعلت معنا بقية أجزاء الوطن، وحضرت وشاركت في التشييع والعزاء، فكذلك نحن نشاركهم ونقدم لهم الود والاحترام المتبادل ونشعر بمصائبهم ومآسيهم ونفرح معهم لأحداثهم السعيدة، وقد أردت إظهار ذلك في ثنايا الرواية، و- الحمد لله -، أظنني وفقت لذلك بشكل كبير، وأبرزت التلاحم بين الجميع.

أما فيما يتعلق بالأسلوب وكونه ربما يكون موجهًا للنخبة وليس للقارئ العادي، فهذا الأمر عائد للقارئ وإحساسه، أما أنا فلم أتجه لهذا الأسلوب النخبوي مثلما تذكر، ولكنني اتكأت على الاندفاعة العاطفية والنفسية في بناء الصور وتلاحمها وتلاحقها وأخرجت عبرها شكل الرواية كما هو بين يديك.

وربما الشكل النخبوي في الكتابة وكيفية تأسيسها عليه قد لا يتناسب تمام التناسب مع فن الرواية، إذ هو أليق بفنون أخرى كفن الشعر، والكتابة الفلسفية والنقدية، أما الرواية فإن اعتمادها الأساس على الجملة السهلة، البسيطة الصورة، المنتقلة من زاوية إلى أخرى عبر الإحساس والعاطفة والشعور والحدث، وهذا لا يستقيم مع النخبوية والاكتفاء بقارئ دون آخر، إن هدف الرواية وكتابتها هو نقل حدث وشعور وإعطاء دفقة ممتزجة منهما، فالاتجاه ناحية النخبة وإبعاد القارئ البسيط لا يؤدي الهدف، كما أن الإغراق في العاطفية لن يؤدي كذلك إلى الهدف الموضوع.

بالنسبة لي أردت في بناء الرواية أن يمتزج الجمال في المعمار والنص بالجمال في الطرح والهدف، وأن تكون قريبة إلى الأذهان يفهمها الجميع ويحس بها ويستشعر ما بداخلها، كذلك أن تحتوي على طاقة فكرية تبرز الفكرة العميقة، فهذان الأمران شغلاني أثناء الكتابة وبعدها في مرحلة التعديل والتنضيد للطباعة.

وقد أبوح لك بسر طالما أخفيته: رواية» الشهداء «، تحمل في داخلها بذور وعي قادم في المجتمع، فكما أن الأفكار تحتاج زمنًا قد يصل لسنوات وربما عشرات السنوات من أجل أن تترسخ، فهكذا هي الرواية الحالية، تحتاج زمنًا من أجل استيعاب رمزيتها ورمزية الحدث في داخلها، خصوصًا أنها اتكأت على حدث واقعي.

برأيك، هل استطاعت الرواية محاكاة الحياة الاجتماعية والثقافية في القطيف، وتطلعات القارئ، لتخرج من قمقم العزلة الثقافية - إن صح التعبير -، لتكون مادة ثقافية تُقرأ خارج الحدود الجغرافية؟

بدرجة لا بأس بها، أستطيع التأكيد على أن الحياة الثقافية والاجتماعية تمثلت في رواية ”الشهداء“، ربما طغيان الجانب الاجتماعي أكبر؛ لكونها تحاكي واقعًا مأساويًا مستندًا إلى تجربة مرعبة ومخيفة من تكرارها، لكنها أيضاً لم تهمل الجانب الثقافي وألقت ظلالاً على المهرجانات والاحتفالات الثقافية الدورية التي تحدث، وهما جانبان متكاملان لا يمكن الفصل بينهما تمامًا، إن نمو الوعي الاجتماعي يقود إلى تظاهرة ثقافية، كما أن نمو الوعي الثقافي يقود إلى تغيير العادات الاجتماعية وإحلال البدائل العصرية لها.

أشير هنا إلى نمو الثقافة الكبير في منطقة القطيف، فالقيود التي كبَّلت الأدب سابقًا، بدأت في التلاشي، فنحن في عصر الإنترنت والانتقال السريع للمعلومة والتعارف السهل عبر مواقع التواصل، هذه الأمور تقود إلى النمو الثقافي ولا شك، فليس مستغربًا سماعنا لنجاح قصيدة لشاعر من منطقتنا في مسابقة خارجية أو اكتساب شخصية معرفية وثقافية وعلمية لمكانة في محفل علمي خارجي، ظروف العصر الراهن تختلف عن الأزمان السابقة، والظرفية السابقة تحكمنا وتحكم مسيرتنا وكيفية ظهورنا.

يظل أمر أخير وهو منوط بنا، يتمثل في الإجابة على سؤال: كيف نسوِّق لأنفسنا ثقافيًا خارج الحدود، وما هي الثقافة التي نستطيع عبرها منافسة المنجزات الخارجية والتغلب عليها؟، أظنه من الأسئلة الهامة التي تطرح على الساحة أو التي ينبغي طرحها وتقديم الإجابة لها.

إن منافسة المنتجات الثقافية الخارجية تحتاج في رأيي إلى عدة أمور:

• أولا ً: رعاية الأديب محليًّا.

• ثانياً: تشكيل بيئة ثقافية تُقرأ وتهتم بكل جديد عبر مؤسسات مدنية مستقلة أو تابعة للدولة.

• ثالثاً: وجود نقد دائم للحركة الثقافية، لأن النقد يحفظ الحراك الثقافي من الانزلاق والتهاوي إلى الحضيض.

• رابعاً: فتح الحرية للأديب المثقف وإعطائه صوتًا مؤثرًا سواء بالاكتساب الذاتي أو بالتشجيع والتعاقد، خامسًا: كفالة العيش الكريم للمثقف وعدم احتياجه الشديد للمال.

هذه الأمور الخمسة إذا نظرنا إليها بتجردٍ سنجد أنها تشكل دورة حياتية كاملة في حياة المثقف، والعوامل تتساند فيما بينها إلى أن تصل في النهاية إلى إبراز الدور الفعلي للمثقف الذي هو الشكل المُصغَّر للحياة الاجتماعية والثقافية.

في روايتك ”صمت“، كانت الحبكة الدرامية فيها بنسبة كبيرة تتجه ناحية المباشرة، وهذا الأسلوب لم يُتبع في روايتك ”الشهداء“، أهناك ثمة شيء؟.

لنتفق أولاً أن لكل تجربة خصوصيتها، وأن ما ينطبق على رواية ”صمت“، قد لا ينطبق على رواية ”الشهداء“، إلا إذا كانت جزءًا ثانيا لها، وهذا ما لم يحدث، الشهداء تمتلك استقلاليتها الفنية ونضجها، كذلك صمت تمتلك استقلاليتها الفنية ونضجها، يبقى الاختلاف في المرحلة أو وقت الكتابة لكل عمل على حدة، مثلاً صمت كتبتها بعد التخرج من الجامعة في عام 1424 هـ جرية تقريبًا ووقتها النضج الفني لم يكن كالآن، ولم أمتلك الأساليب التقنية في الكتابة التي استعملتها في الشهداء، إن اختلاف المرحلة الزمنية يولد نوعًا من الاختلاف في الطرح والكتابة، وهذا شيء طبيعي يمر في حياة كل كاتب، فأنت الآن لست نفسك من ناحية الثقافة والاطلاع قبل عشر سنوات أو خمس أو سنة واحدة.

أيضا أضيف إلى اختلاف المرحلتين من ناحية الزمان، وجود ارتباط وثيق برواية الشهداء بالمعايشة والمشاهدة والإحساس، وهو ما يُفتقد في رواية صمت، التجربتان مختلفتان زمانيًا ومختلفتان موضوعيًا، صمت تحاكي فترة انتقالية وإمكانية استماع لأحاسيس المستقبل بطموحاته وأحلامه وآماله، أما الشهداء، فتحاكي موت الأحلام وانهدامها، مع حذر وتوجس مستقبلي.

الموضوعان المختلفان أنتجا أسلوبين مغايرين، اعتمدتُ في صمت على الوصف المباشر والصورة القريبة دون نسج الكثير من العلائق بالماضي، بينما في الشهداء أصبح الماضي فاعلاً في المستقبل وتكوينه وتبعًا لذلك وجب أن تتعقد الصور المرسومة وأن تكون الأفكار فيها من الشمولية والاتساع، ما يعني المزيد من الوصف الإيحائي وعدم المباشرة؛ حفاظًا على تناسق الفصول وتتابعها وعدم انجرار الكتابة إلى التفاصيل الهامشية المملة.

رواية ”الشهداء“، سعيت فيها إلى تعرية الفكر الإرهابي، سعيًا إلى تبيان فقدانهم لكل قيمة إسلامية وأخلاقية وإنسانية. وعليه أليس من واجب المثقف أن يُساهم في الدفاع عن وطنه، مُسخرًا يراعه وفكره، حيث أن الثقافة اللبنة الأساسية في تحضر المجتمعات والرقي بها، ما تعليقك؟

في زمنٍ اختلطت المفاهيم داخله وأصبحت الحقائق الثابتة مجرد فرضيات بات الدين في مقدمة المتأثرين بالثقافة الوافدة، أصبحت أصابع الاتهام تتجه ناحية الشيخ والمعمم لتجلده بالسياط وأنه سبب النكسة والدمار، بالطبع هذا الكلام غير واقعي، فالشيخ لا يمتلك في يده عصا سحرية تنقل المجتمع من حالة الانفلات إلى حالة التدين فجأة، بل يعاني هو الآخر من الآثار المدمرة للثقافات الوافدة والمخترقة لثقافتنا الإسلامية الأصيلة.

لهذا فتحت نافذة للمتدين يطل منها ويؤدي وظيفته الاجتماعية ويمارس دوره التنويري على الأتباع المؤمنين، فأنا أجد الشيخ يعاني أشد المعاناة من هذا المد الهائل من التكفير والتشجيع على القتل وسفك الدم.

ولأننا في وطننا لا ننتمي إلى طائفة واحدة أو فئة محددة تصبح وظيفة الشيخ بالغة الصعوبة في التأثير على بقية الأطياف، وهنا من المستحسن أن نتذكر تجربة الدولة النبوية في وثيقة المدينة المنورة حينما آخى بين المسلمين وعقد المعاهدات مع اليهود والمشركين داخل المدينة، فهذه الوثيقة ضمان لنا من الانجرار إلى التطرف والتناحر دون سبب.

برأيك، هل تستطيع الرواية ممارسة التوثيق، وعليه هل إن التوثيق الأدبي لدينا في القطيف يحتاجه العوز؟

ليس هنالك توثيق بالمعنى الاصطلاحي كما كان في العصور السابقة، قديمًا المؤرخ يبحث عن المعلومة ويعمل على تدوينها وحفظها للأجيال التالية، مهمة المؤرخ انتهت أو كادت تختفي في ازدحام الحياة، المؤرخ هو المسؤول الأول عن توثيق الأحداث التاريخية، بينما الروايات الواردة ليست سوى وجهات نظر تتحدث عن الحقيقة من وجهة نظر شخصية.

في العصر الراهن برزت الرواية كفن أدبي يلتمس الحياة ويعتبرها الأصل الذي تؤخذ منه جميع التفاصيل، إن تعقيدات الحياة تنصب على الرواية الأدبية فتجعلها بالغة التعقيد والتشابك، بسبب هذا التشابه والتماثل، ولكن ذلك لا يعني أن الرواية تقول الحقيقة دائمًا، إن قول الحقيقة من مهمة المؤرخ وليس من مهمة الروائي.

الروائي يستلهم الحدث ويبني عليه رؤيته ويُكيِّفه ضمن مجموعة من الأحداث الخيالية، كي ينتج نصًا أدبيًا يُسمى في الأخير رواية، وهذه الرواية ربما لا تتشابه في أحداثها مع الحدث الفعلي الذي وقع، وربما يكون هناك بعض التشابه، المهم هنا أن الروائي ليس ملزمًا بكتابة الحدث كما هو، بل يترك ذلك للسجلات الرسمية التي تعتبر وثائق حقيقية دالة على الواقعة، بينما ينطلق هو في الخيال، ينسج عالمه الخاص، كائناته الفسفورية، يوجد مخلوقاته، يوائم بينها، يصنع حياتها المستقلة.

أظن أن الروائي لو اكتفى بتدوين الحدث وسرده بطريقة عفوية فلن يصبح وقتها فنانًا وروائيًا بل سيصبح مؤرخًا وموثقًا وشتان بينها، الروائي لا تحده حدود الحقيقة، بينما المؤرخ لا يستطيع مجاوزتها.

كلمة أخيرة لك ماهي ولمن توجهها؟

قارئ الرواية سيلحظ تخصيصي للفصل الأخير بكاملة ككلمة توجيهية لذوي الشهداء، ولأهل المصابين، وللجرحى، ولبقية فئات المجتمع، ربما أستطيع إيجازها في عبارة واحدة: ”أيها الشهيدُ، أنت لم تمت، أنت نور ورمز في ليلنا المظلم، ونحن على خطاك سائرون، نسعى لتحقيق أحلامك المستقبلية“.