آخر تحديث: 26 / 4 / 2017م - 8:57 ص  بتوقيت مكة المكرمة

ثقافة السلام

محمد أحمد التاروتي *

ارساء قواعد الاستقرار، ورفد الحركة الاجتماعية، بعوامل النمو والازدهار، يتطلب نشر ثقافة السلام، ونبذ العنف بشتى اشكاله، فامتلاك هذه الثقافة، يحتاج على جهد مشترك، من جميع الشرائح الاجتماعية، فالعملية ليست مقتصرة على المنابر الاعلامية، او المناهج الدراسية، او المنتديات الثقافية، بل تشمل جميع مؤسسات المجتمع المدني، وكذلك البيئة الاسرية، التي تمثل النواة الحقيقية، لرزع شجرة السلام في النفوس، منذ نعومة الاظافر.

الخطورة الكبيرة، التي تمثلها النزاعات الاجتماعية، سواء المادية، او المعنوية، تمثل معضلة كبرى في مسيرة المجتمعات البشرية، فالاعتداء امر مرفوض، باعتباره انتهاكا صارخا، على الحرية الممنوحة للبشر، سواء في ممارسات الحياة اليومية، او من خلال الاعتقادات الدينية والفكرية، ﴿لا اكراه في الدين، وبالتالي فان عملية تقييد الفكر الحر، وكذلك وضع القيود الاجتماعي، تتنافى تماما مع القواعد، التي ارساها الخالق، بمعنى اخر فان ثقافة السلام، تمثل مدخلا رئيسيا، في الابتعاد عن المطبات والعراقيل، التي توقف حركة البناء النفسي والمادي، في المجتمع الواحد، ﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين.

تمثل تحية الاسلام الخالدة، ”السلام عليكم“ رسالة واضحة الدلائل، على اهمية امتلاك المجتمع لهذه الثقافة، فالاسلام اعتبر الرد على التحية امر ”واجب“، فيما القاء السلام امر ”مستحب“، الامر الذي يعطي معاني كثيرة، على جوهر الاسلام القائم، على نشر المحبة والسلام، في النفوس، وداخل المجتمع الواحد، فالمسلم ”من سلم الناس لسانه ويده“، وبالتالي فان نشر هذه الثقافة، امر بالغ الاهمية للقضاء، على الامراض الاجتماعية، التي تشكل احد الاسباب وراء انتشار الخراب، والدمار في البيئة الاجتماعية، لذا فقد حرم الاسلام الغيبة «من اغتاب مؤمناً فكأنما قتل نفساً متعمداً» والنميمة «إيّاك والنميمة فإنها تزرع الضغينة وتُبعّد عن الله وعن الناس» والبهتان «من بهت مؤمناً أو مؤمنة بما ليس فيه بعثه الله في طينة خبال حتى يخرج مما قال».

المجتمعات التي تعيش حالة نزاع داخلي، او حروب خارجية، تكابد حياة البؤس، والضياع المعنوي والمادي، فالجميع يتلمس الاثار الناجمة، عن تنامي الامراض النفسية، في المجتمعات البشرية، كما ان الدمار والخراب يخيم على المجتمعات، التي تتخذ الحروب طريقا، لحل مشاكلها السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، فالحروب لا تمثل الحلول الوحيدة، للخروج من الازمات على اختلافها، بل تمثل تدمير شاملا للجميع دون استثناء، اذ يتحول الاستقرار الى اضطراب، وتتوقف الحركة التنموية، ويصبح منطق القتل سائدا في الثقافة العامة، عوضا من مفردات السلام والازدهار.

انتشار ثقافة السلام في المجتمعات البشرية، تسهم في ايقاف ثقافة الخراب والدمار، خصوصا وان الاخيرة تحركها المصالح بمختلف اشكالها، فيما بسط السلام والوئام، يحرك على عمارة الارض، وتكريس مبادئ العدل، بين البشر دون تفريق بين جنس واخر ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ و﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ.

كاتب صحفي