آخر تحديث: 25 / 6 / 2017م - 4:43 م  بتوقيت مكة المكرمة

ثقافة الوأد

محمد أحمد التاروتي *

”حمامة الحي لا تطرب“، و”ارحموا عزيز قوم ذل“،.. امثال شائعة تتردد على الالسن، لدلالة على حجم الظلم والضيم، الذي تتعرض له القامات الاجتماعية، او الشخصيات المخلصة، فتعارض المصالح بين اصحاب النفوذ، والبروز الصاروخي لبعض الشخصيات، سواء كانت اجتماعية او ثقافية، تشكل احد العوامل وراء البحث عن الطرق والوسائل، لطمس تلك الشخصيات في التراب..

ان الجهود الكبيرة، التي تبذلها الشخصيات المصلحة، في سبيل تعرية اصحاب المصالح في المجتمع، تمثل خطورة كبرى على استقرار وثبات، المراكز التي يحتلها هؤلاء، فمن شأن انتشار مثل هذه الثقافة، ايقاظ الشرائح الاجتماعية، من حالة السبات والتنويم المغناطيسي، مما يدفع لاتخاذ طرق مختلفة، في سبيل ايقاف عجلة تقدم، تلك الشخصيات في المجتمع، ومحاولة بث الشائعات، او اطلاق حملات ضخمة، لتشويه الصورة بهدف اجبارها، على الانزواء ورفع الراية البيضاء.

الامم التي تحقر عقولها وكفاءاتها، سواء الاجتماعية او الفكرية، تتحرك وفق قناعات مختلفة، فعوامل الاغراء المالية، تمثل احد الاسباب وراء بروز، مثل هذه الظاهرة الخطيرة، كما ان التداعيات المترتبة، على مساندة هذه الشخصيات، تمثل عنصرا اخر، وراء تشجيع عمليات ”الوأد“، ومحاولة اسكات هذه الاصوات المخلصة، الامر الذي يعتبر بمثابة تجرع السم، بكل ما تحمل الكلمة من معنى.

المصلحون على مر التاريخ، كابدوا الكثير من الويلات، والعديد من المطبات والمخاطر، فالبعض قدم حياته على طبق من ذهب، في سبيل قناعاته الفكرية والثقافية، التي تشكل صدمة كبرى للمجتمع، نظرا للبون الشاسع، بين طريقة التفكير الطرفين، اذ يتحرك المصلحون، وفق نظرة مستقبلية للارتقاء بالمجتمع، نحو الاعلى، فيما تفضل الاصوات المعارضة البقاء في القاع، ومحاربة جميع اشكال التقدم في المجتمع.

جميع الثورات الاجتماعية، او الحركات الاصلاحية، واجهت مقاومة عنيفة من اصحاب النفوذ، وكذلك من السواد الاعظم في المجتمع، اذ تلعب الماكنة الاعلامية دورا كبيرا، في الوقوف امام الافكار الجديدة وغير المألوفة، حيث يسطر القرآن الكريم الصراع القوي، بين حركة الانبياء الهادفة، لانقاذ المجتمعات، من براثن الكفر والظلال وبين اصحاب المصالح الدينوية والاجتماعية، اذ تعمد مراكز القوى المعارضة، لاستخدام سلاح المقاطعة الاجتماعية ”إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ“، فيما يتطور الامر، مع فشل مثل هذه الاساليب، لابتكار سياسة جديدة، تتمثل في الاساءة الى الشخصية نفسها، والتشكيك في القدرات العقلية ”وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ“.

الجهل المركب يفرز ممارسات، عنفية تجاه القامات الاجتماعية، والشخصيات الثقافية، فالمجتمع الذي لا يعرف قيمة هذه العناصر، يرتكب حماقة كبرى، ويقدم يحفر قبره بيده طواعية، كما يسهم في تكريس حالة الضياع في اركانه، خصوصا واذا عرفنا ان التجدد سنة طبيعة، وانه - التجديد - ينسجم مع تطور العقل البشري، فالمجتمع المتحرك يشهد قفزات كبرى، فيما نظيره الجامد، يبقى ”تحت الحفر“، ويعيش عالة على المجتمعات الاخرى.

كاتب صحفي