آخر تحديث: 25 / 6 / 2017م - 4:43 م  بتوقيت مكة المكرمة

ثقافة التحريف

محمد أحمد التاروتي *

شكلت وسائل التواصل الاجتماعي، مظلة واسعة لتكريس ثقافة مجتمعية، فالتطور التقني الواسع، اعطى مساحات واسعة، للتعبير عن الرأي، والقدرة على تشكيل رأي عام واسع، بحيث باتت عملية السيطرة، على الفضاء الثقافي الواسع، امر بالغ الصعوبة، الامر الذي يتمثل في قدرة هذه التقنيات السريعة، على اختراق جدار الصمت، وخلق واقع اجتماعي، بعضه ايجابي، وبعضه الاخر سلبي.

الواقع السلبي المتمثل، في وسائل التواصل الاجتماعي، ليس خافيا على الاطلاق، فالمرء لم يعد قادرا، على ملاحقة الكم الهائل، من القصص المفبركة والكاذبة، التي تغزو جميع الطبقات الاجتماعية على مدار الساعة، بحيث اصبحت وسائل التواصل الاجتماعي، ساحات لتصفية الحسابات، وابراز فنون الكذب ”المنمق“، بهدف تمرير تلك الاكاذيب، في الوسط الاجتماعي.

عملية تصفية الحسابات، عبر الساحة الاجتماعية ليست جديدة، فالحروب الاعلامية الطاحنة، التي تنشرها وسائل الاعلام المختلفة، تكشف مستوى الصراع، القائم بين الاطراف المتصارعة، اذ يمثل الظهور الاعلامي، ابرز ملامح الصراع القائم، حيث يبدأ في الغالب في الخفاء، ويستمر تحت الكواليس لفترة، قد تطول او تقصر، تبعا لنوعية الخلاف الدائر، بيد ان الامور سرعان، ما تظهر على السطح، عبر وسائل الاعلام المختلفة، خصوصا وا ن وسائل التواصل الاجتماعي، شكلت اداة تنكيل متاحة للجميع، والاضرار بالاخرين، فالبعض لا يتورع عن ممارسة الاساليب، غير المشروعة في الصراع، بحيث يدفعه لوضع كلام على لسان الخصم، بهدف تسجيل نقاط عليه في الحرب الدائرة، ”مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ“

الخصومة الشريفة، باتت من مفردات الزمن القديم، فاللغة المستخدمة في الخلافات الفكرية، والثقافية، والاجتماعية، لم تكن متداولة، على نطاق واسع في الزمن الغابر، اذ باتت جميع الاسلحة، ”المحرمة“ دينيا واجتماعيا، متاحة لدى البعض، حيث ينطلق - البعض - من قناعة، بضرورة تكسير ”رأس“ الطرف المقابل، مما يدفعه للاستعانة بكافة الاسلحة المتوافرة، بهدف تحقيق الانتصار في نهاية المطاف، الامر الذي يتناقض تماما مع مبدأ، ”لا تغتروا بصلاتهم ولا بصيامهم، فإن الرجل ربما لهج بالصلاة والصوم، حتى لو تركه استوحش، ولكن اختبروهم عند صدق الحديث، وأداء الأمانة“.

ثقافة تحريف ”الكلم عن مواضعه“، اسلوب يتقنه اصحاب العقول ”التآمرية“، والنفوس المريضة، فهذه النماذج تتحرك وفقا لمنهجية مدروسة، بهدف توجيه الضرر بالطرف الاخر، بحيث تبدأ في البحث في المواقف المعلنة، للطرف المقابل، قبل اطلاق نيران الحرب في المجتمع، فالهدف من البحث في ماضي الخصم، الحصول على كلمات، لاستخدامها كسلاح في المعركة المفتوحة، الامر الذي يتمثل في بث بعض الكلمات، او محاولة فصل الكلمات عن بعضها، في سبيل تشكيل موقف ينسجم مع مواقفها الرافضة، ”من مشى في غيبة أخيه وكشف عورته، كانت أول خطوة خطاها وضعها في جهنم“ و”اعتياد الكذب يورث الفقر“ و”الكذب بابٌ من أبواب النفاق“.

كاتب صحفي