آخر تحديث: 16 / 1 / 2017م - 4:15 م  بتوقيت مكة المكرمة

ثقافة المستهلك

محمد أحمد التاروتي *

الثقافة الشرائية مرتبطة، بالسائد الاجتماعي في الغالب، فاذا سيطرت ثقافة المظاهر ”الكاذبة“، على الحاجة الاساسية، فان العربات تصاب بالتخمة، وعدم القدرة على تحمل المزيد من السلع، فيما سيكون الوضع مختلفا، مع سيطرة ثقافة ”الحاجة“، مما يدفع المستهلك للاكتفاء بالنقص، دون اللجوء الى الانفاق ببذخ، بغض النظر عن الحاجة الماسة.

الفقر يلعب دورا كبيرا، في تحديد الاولويات، مما يسهم في تشكيل جزء من الثقافة الاستهلاكية السائدة في المجتمع، بيد ان الوعي الاجتماعي، يشكل بدوره عامل ضغط، في الامساك بالامور بصورة صارمة، مما يحول دون طغيان ”الترف“، و”التبذير“ على حساب التعاطي، مع نعمة المال ببطر واستهتار.

الصورة المتناقضة بين المستهلك الاوروبي، ونظيره العربي ”الخليجي“، تشكل اختلافا شاسعا في الثقافة الاستهلاكية، لدى الطرفين، فالمستهلك الاوروبي في الغالب، يدخل السوق وعينه على سلعة او سلعتين، دون النظر لحجم ”العروض الخاصة“ المتناثرة، في ارجاء بعض المراكز التجارية، فيما المستهلك العربي ”الخليجي“، يدخل السوق ولا يعرف ”ضالته“ في الغالب، بحيث يقطع ارجاء السوق ذهابا وايابا لساعات عديدة، الامر الذي يتمثل في الخروج بعشرات الاكياس، المحملة بمختلف البضائع، بعضها ضروري، والبعض الاخر طريقه للزبالة، او النسيان بعد فترة قصيرة.

الموسم الرمضاني، يمثل مرآة عاكسة للثقافة الاستهلاكية، لدى شريحة واسعة من المجتمع، فالميزانيات الضخمة التي تصرف، على شراء السلع الغذائية، يعطي دلالة على وجود ”خلل“، في نمط التفكير الاجتماعي، خصوصا وان الفائض بعد انتهاء شهر رمضان كبير للغاية، مما يستدعي اعادة رسم الثقافة الاستهلاكية، بطريقة تضع الامور في النصاب الصحيح، فالانفاق الكبير دون التفكير في التبعات المستقبلية، امر محزن للغاية، ويدعو للتفكير بشكل جاد.

امتلاك الثقافة الاستهلاكية الصحيحة، سلاح فتاك لتجاوز الافخاخ، التي تنصبها الشركات والمصانع، لاصطياد عقول وجيوب المستهلك على مدار العام، فهذه الشركات لا تكاد تنتهي من حملة تسويقية، حتى تشرع في واحدة اخرى، خصوصا وان خطوط الانتاج، التي تدور على مدار العام، بحاجة ماسة، لابتكار المزيد من الاساليب التسويقية، فالاكتفاء بالطريقة التقليدية، لتصريف المنتجات سواء القديمة او الجديدة، يسهم في تعطيل خطوط الانتاج، وعدم القدرة على زيادة الايرادات السنوية، وبالتالي تراجع الهوامش الربحية، مما يمهد الطريق امام الافلاس، والخروج من السوق بشكل نهائي.

الشركات على اختلافها، ترصد موازنة ضخمة في سبيل تكريس ”الاستهلاك“، في الثقافة الاجتماعية، الامر الذي يتمثل في الاعلانات الضخمة، التي تنفق سنويا، خصوصا وان سيطرة ثقافة ”الترشيد“، لا تخدم الشركات الصغيرة قبل كبيرها، لذا فان الشركات، تشعر بالحرج الشديد، بمجرد ارتفاع الاصوات الداعية، لوضع خارطة طريق للتعامل بمسؤولية، مع الثقافة الاستهلاكية ”السائدة“، الامر الذي يدفعها لاطلاق حملات مضادة، عبر تحريك الماكنة الاعلامية الضخمة، لاعادة الامور لسابق عهدها.

كاتب صحفي