آخر تحديث: 25 / 6 / 2017م - 4:43 م  بتوقيت مكة المكرمة

ثقافة التنظير

محمد أحمد التاروتي *

عملية ترجمة النظريات الى واقع ملموس ليست سهلة، اذ تتطلب جهودا مضنية، وتجارب عديدة تتخللها بعض العثرات، وقليل من النجاحات، فالكثير من الافكار المسطرة على الورق، لا تجد مصداقية على ارض الواقع، خصوصا في ظل البون الشاسع بين النظرية والتطبيق، الامر الذي يفسر التخلص من الكثير من النظريات، التي تطرحها المحافل العلمية، في مختلف انحاء العالم، فما يجري تطبيقه لا يمثل سوى الجزء القليل، من اطنان الاوراق، التي تسطرها العقول البشرية في الجامعات، ومراكز الدراسات، على اختلافها في انحاء المعمورة.

ثقافة التنظير ليست جديدة على المجتمعات البشرية، فالبشر على اختلافهم يميلون لاطلاق النظريات، فيما يتعلق بمختلف القضايا العلمية، والاجتماعية، وغيرها من الملفات المختلفة، لاسيما وان مستوى التفكير مغاير تماما، داخل الاسرة الواحدة، فما بالك بالمجتمع الاجتماعي الواسع، اذ تلعب الثقافة السائدة دورا رئيسيا، في توجيه مستوى التفكير، بالاضافة لذلك فان المستوى التعليمي والثقافي، يشكل محركا رئيسيا في نمط التفكير لدى البشر، فكلما ارتقى المستوى العلمي، كلما استوعبت مداركه العقلية، الكثير من الملفات الفكرية، والثقافية، وكذلك محاولة ايجاد الحلول المناسبة، للملفات الاجتماعية الشائكة.

التنظير يتخذ مسارات متعددة، فالبعض منها يسلك منحى ايجاد الحلول، وازالة العراقيل، التي تعترض طريق المشاكل الاجتماعية، او القضايا الفكرية المعقدة، مما يشكل عنصرا اساسيا في بعث الامل في النفوس، وتحريك الهمم باتجاه الارتقاء، وعدم الركون للارض، فهذا النوع من التنظير، يمكن اعتباره ب ”الايجابي“، والمحفز لانارة الطريق المظلم، امام الازمات على اختلافها.

فيما المسار الاخر، يتمثل في الجانب السلبي، فاصحاب التنظير السلبي يتفنون، في وضع العصا في العجلات، بهدف تكبيل الايدي الساعية، لتجاوز العراقيل، والحيلولة دون ايجاد الحلول المناسبة، لتفكيك بعض الازمات المستعصية الاجتماعية والفكرية، فهذا المسار يشكل وبالا على المجتمع، باعتباره عنصرا سلبيا، يسهم في تفاقم الازمات على اختلافها، حيث يمارس دورا مضادا للمسار الايجابي، سواء من خلال الادوات الاجتماعية، التي يمتلكها سواء الاعلامية، او غيرها من الادوات الاخرى.

الصراع الاجتماعي القائم، بين المسار الايجابي والسلبي، لثقافة التنظير، يبقى مستمرا على الدوام، حيث يسعى كل طرف تسجيل النقاط، وتوجيه الضربة القاضية، للطرف الاخر، لاسيما وان كل طرف، يمتلك من القدرة، ما تؤهله للفوز ببعض الجولات، في فترة زمنية، خصوصا وان الثقافة الاجتماعية، تمثل البيئة المناسبة، لتنامي قوة احد الاطراف على الطرف المنافس، مما يستدعي وضع الاطر المناسبة، لتحفيز الجانب الايجابي، وقطع الطريق امام نمو، وصعود الثقافة السلبية، في المحيط الاجتماعي السائد.

يمكن اعتبار الصراع الازلي، بين الحق والباطل، ضمن الحرب الكونية، القائمة بين ثقافة التنظير السلبية والايجابية، فمنذ خلق الله البشر على وجه البسيطة، بدأت حركة الصراع بين السلب والايجاب، فكل طرف يتحرك وفق القناعات الثقافية، التي يؤمن بها، مما يجعله يناضل، ويقاتل في سبيل اظهارها، والقضاء على القناعات المضادة، فالصراع سيبقى قائما، بين الطرفين على الدوام، مهما حاول احد الاطراف، مسح منافسة من خارطة الوجود.

كاتب صحفي