آخر تحديث: 24 / 8 / 2017م - 12:16 ص  بتوقيت مكة المكرمة

ثقافة التكريم

محمد أحمد التاروتي *

ثقافة المجتمع، تمثل بوصلة في وضع الامور، في مكانها الصحيح، فالمجتمع الواعي يحتفي بالكفاءات، والشخصيات العلمية، عبر فتح المجالات الواسعة، امام ابداعاتها، وتسخير كافة الامكانيات، لمواصلة المسيرة العملية، وتخصيص الموارد المالية المناسبة، لانشاء المراكز البحثية، فيما المجتمع المتخلف، يضع العراقيل امام العقول المبدعة، في محاولة لتعطيل الحركة العلمية، الامر الذي يدفعها للبحث عن خيارات، للانطلاق في بحر العلم، حيث يتمثل في هجرة العقول، نحو البلدان القادرة على الاحتضان، او الانكفاء على الذات، في احسن الاحوال.

توقيت التكريم، يمثل انعكاس للثقافة المجتمعية السائدة، فالاحتفاء بالشخصيات المبدعية، يختلف باختلاف المجتمعات، ففي الوقت الذي تحرص بعض المجتمعات، على ابراز تلك الكفاءات، لتعريفها للمجتمع اولا، والعالم ثانيا، من خلال تسليط الاضواء الاعلامية عليها، عبر تنظيم مناسبات التكريم، فان هناك مجتمعات اخرى، ترى في تخصيص موارد مالية، لتكريم الابداع نوع من الترف، والاسراف غير الضروري، مما يشكل احباطا كبيرا لدى الكفاءات، من الجفاء الكبير تجاه الانجازات العلمية، التي تحققت بعد جهود مضنية، وشهور من السهر والتعب، في سبيل التوصل للانجاز العلمي.

الكفاءات العلمية، تصاب بغصة شديدة، من حالة الغربة، التي تعيشها في المجتمع ”الجاهل“، فالمجتمعات الراقية، تحتفي بالكفاءات الابداعية، وتقدم لها جميع الامكانيات اللازمة، فيما المجتمع المتخلفة، لا تجد غضاصة في ”تسفيه“ البحوث الابداعية، والاختراعات العلمية باعتبارها، من ”افكار الشيطان“، التي ”ما انزل الله بها من سلطان“، الامر الذي يسهم قتل روح الابداع، في نفوس العلماء، او مواصلة المسيرة العلمية، في الخفاء دون البوح، بتلك الانجازات العلمية الباهرة.

شخصيات علمية على مر التاريخ، لم تعرف قيمتها خلال حياتها، نظرا لعدم وجود بيئة قادرة، على استيعاب المدارك العلمية، لتلك العقول الابداعية، فالعالم يكتشف قيمة تلك الكفاءات العلمية، بعد انتقالها من دار الدنيا، حيث كانت تعيش حالة البؤس، والضياع، والانعزالية التامة، فالتراث العلمي الذي تتركه خلفها تلك الشخصيات، بعد الموت يكشف الطريقة البائسة، التي لقيتها من المجتمع، طوال سنوات عمرها، الذي قد يطول او يقصر.

من الصعب ادراك المرارة الشديدة، التي يكابدها المبدعون بسبب طريقة تعامل المجتمع، مع الانجازات العلمية، فالمبدع يتوقع احتضان الوسط الاجتماعي، لانجازاته العلمية، خصوصا وان العلماء يمثلون قيمة مادية ومعنوية، في كافة المجتمعات البشرية، نظرا لما يمتلكونه من مزايا غير متوافرة، لدى الشريحة الواسعة من المجتمع، ففي الحديث الشريف ”ارحموا من الناس ثلاثة: عزيز قوم ذل، وغني قوم افتقر، وعالماً ضاع بين الجهال“.

يعاب على المجتمع المتخلفة، اكتشافها للكفاءات العلمية بعد الموت، حيث تتبارى بعض المؤسسات، لاطلاق الاسماء على المراكز، او الاشادة بانجازاتها، فيما كانت تعاني تلك الشخصيات الابداعية، من التجاهل الاعلامي والرسمي ايام حياتها، فالمجتمعات المتخلفة، لا تعرف قيمة رموزها العلمية ايام الحياة، فيما تتحول تلك الشخصيات المجهولة، الى نجوم ساطعة في سماء الوطن، بمجرد الاعلان عن الوفاة..

ثقافة التكريم في المجتمعات المتخلفة، بحاجة الى خارطة طريق، تسهم في وضع النقاط على الحروف، بهدف الاحتفاء بالقامات الابداعية، بالطريقة المثالية، عوضا من تسطير الصفحات الطويلة، المتضمنة عشرات الكلمات، من الاطراء بعد الممات.

كاتب صحفي