آخر تحديث: 22 / 5 / 2017م - 8:23 م  بتوقيت مكة المكرمة

ثقافة الاندماج

محمد أحمد التاروتي *

تسعى الأقليات العرقية ومثلها الدينية، في مختلف الدول العالمية للمحافظ، ة على خصوصيتها، عبر التقوقع على الذات، ومحاربة كافة أشكال الذوبان، في المحيط الاجتماعي الواسع، خصوصا وان الذوبان الكامل، يشكل خطورة كبرى على تماسك تلك الأقليات، وانفراط عقدها، مما يمهد الطريق امام اندثارها في نهاية المطاف، الامر الذي يفسر مقاومتها الشديدة لحالات الاختراق، التي ترسمها الدول لمحاولة احداث تغييرات جذرية، في البنية الفكرية لتلك الأقليات، بهدف إنجاح خططها للاندماج.

المدارس الخاصة التي تحتوي ثقافة تلك الأقليات، احدى الوسائل الهامة في الحفاظ على التماسك الداخلي، لمقاومة الضغط الخارجية، حيث تلعب المناهج المدرسية دورا كبيرا، في تكريس العادات والتقاليد، وكذلك الأسس الدينية، في الأجيال الناشئة، خصوصا وان المدارس الرسمية، تشكل خطورة في هدم المنظومة الفكرية، التي تعتمدها الأقليات سواء العرقية او الدينية، مما يعطي أهمية بالغة لهذه المدارس، سواء كانت تُمارس عملها في العلن او تتحرك في الخفاء.

حالة الانطواء على الذات، لدى الأقليات تخلق العديد من الاشكالات، في البيئة التي تعيش فيها، مما يجعلها عرضة لوابل من الهجوم او محاولة الاختراق، سواء بشكل رسمي او غير رسمي كنوع من باب الفضول، فالبعض يسعى لاختراق الدائرة الضيقة، لتلك الأقليات للوصول ماهية نقاط القوى، واكتشاف نقاط الضعف، الامر الذي يساعد على نجاح خطط الاندماج، وكسر الطوق المحيط بالبيئة الاجتماعية لتلك الأقليات.

الأقليات المسلمة في البلدان الغربي ليست الوحيدة، التي تقاوم عمليات الاندماج في المحيط الاجتماعي، فهناك العديد من الأقليات، التي تتحرك للحفاظ على ثقافتها وكيانها الخاص، فاليهود في مختلف الدول الغربية يعيشون في بيئة ضيقة، للحفاظ على الهوية ومقاومة الاندماج، بالاضافة لامتلاكها المراكز الدينية الخاصة، مما يسهم الحفاظ على الكيان، وعدم انفراط العقد، جراء تخلي الجيل الجديد عن الديانة اليهودية.

محاولات المحيط الكبير في اندماج الأقليات، تواجه الكثير من العراقيل، جراء امتلاك الطرف المقابل القدرة على الصمود، ورفض كافة المغريات المقدمة، او التهديدات في أوقات اخر، حيث تخرج صيحات بين فترة واخرى، بضرورة اخراج التجمعات التي ترفض الاندماج، لما تمثله من خطورة كبيرة على تماسك المجتمع الواحد، بمعنى اخر فان بروز الأصوات الداعية لتذويب الأقليات في بحر المجتمع الواحد، تنطلق من مخاوف وأسباب متعددة، سواء كانت سياسية او عنصرية، ولكنها لا تتحرك في الغالب من الحرص، على تماسك المجتمع الكبير.

الحروب الإعلامية والسياسات العدائية، تلعب دورا كبيرا في تخوف الأقليات من دعوات الاندماج، فالتاريخ يتحدث عن مجازر فظيعة، مارستها بعض المجتمعات، تجاه الأقليات وذلك بموافقة السلطة السياسية، او عبر غض الطرف عن تلك الممارسات الوحشية، مما يدفع الأقليات للدفاع عن نفسها للحيلولة دون الذوبان، والاختفاء من الخارطة الاجتماعية، اذ يمثل الحفاظ على الكيان الاجتماعي السلاح الوحيد، في الافتقار للاسلحة الاخرى للدفاع عن الذات.

يحاول الطرف القوي مدعوما بالسلطة السياسية، فرض ارادته على الطرف الضعيف، الامر الذي يحفزه على اتخاذ مسارات عديدة للقضاء على الأقليات، سواء بدوافع عنصرية او مسببات اجتماعية، بحيث تبدأ على شكل دعوات مغلفة بعبارات الحب والالفة، بيد ان تلك الدعوات سرعان ما تتحول الى عبارات عدائية وفوقية، خصوصا بعد الوصول الى قناعة بصعوبة تحقيق اختراقات حقيقية تحقق الانتصار في نهاية المطاف.

ثقافة الاندماج غير قابلة للتطبيق تحت تهديد السيف، فالعملية مرهونة بقناعات ذاتية، حيث اثبت التاريخ قدرة فولاذية، لدى الانسان في مقاومة كافة اشكال التهديد، خصوصا في حال تعلقت بالمعتقدات الدينية، او الحفاظ على الكيان العرقي.

كاتب صحفي