آخر تحديث: 24 / 8 / 2017م - 12:16 ص  بتوقيت مكة المكرمة

ثقافة التناقض

محمد أحمد التاروتي *

المصالحة مع الذات امر بالغ الاهمية، في تحقيق الرضا النفسي، فالضمير الانساني المتقد، يعمل كبوصلة في توجيه صاحبه، بالاتجاه الصحيح والاختيار الصائب، الامر الذي ينعكس بصورة في حالة التأنيب، التي يعيشها الانسان على الدوام، مع الاستمرار في ارتكاب الاخطاء، والانغماس في الممارسات الخاطئة، ﴿نفس وما سواها فالهمها فجورها وتقواها.

عملية الانسجام الكامل في الممارسات، مع الذات امر بالغ الصعوبة، الامر الذي يتمثل في الصراع الدائم بين العقل والنفس، ”مخالفة الهوى“، حيث يقود العقل صاحبه للخير والصلاح والاستقامة، فيما تترك الشهوات صاحبها على قارعة الطريق، دون القدرة على انقاذها من براثن الامراض النفسية، التي تتركها مختلف الممارسات المخالفة للعقل السليم، بحيث تبرز على صورة ارتكاب افظع الجرائم، وانتهاج سبيل الشر بمختلف اشكاله.

التوافق التام داخليا وخارجيا، بمختلف المواقف والقناعات، سواء كانت دنيوية او أخروية، يتطلب الكثير من القدرة والارادة الصلبة، خصوصا وان المغريات الدنيوية، تدفع باتجاه تغليب طرف على اخر، الامر الذي يبرز في ”الكفر“ بجميع القناعات السابقة، ومحاولة الانسلاخ منها سواء بطريقة هادئة وتدريجية، او عبر احداث صدمة كبرى وخلق البيئة الاجتماعية، لتمرير القناعات الجديدة، فالتاريخ يتحدث عن نماذج كثيرة عاشت فترات من عمرها، في اجواء صالحة او تحمل قناعات محددة، بيد انها سرعان ما خلعت ثوبها السابق لتردي ملابس اخرى، باعتبارها الوسيلة الوحيدة للحصول، على المراكز الاجتماعية او تحقيق المكاسب المالية.

صعوبة التمسك بالمواقف الفكرية، والثقافية حقيقة ملموسة، فمقاومة المغريات وكذلك التهديدات على اختلافها، ليست متاحة للجميع، فضلا عن كون رفض المساومات، والضغوط الاجتماعية، يحتاج قدرة هائلة من العيش في ظروف صعبة للغاية، خصوصا وان الوقوف في وجه التيار الاجتماعي، يعني القبول بالعزلة او المقاطعة شبه التامة، الامر الذي يشكل احد الضغوط للتراجع عن المواقف المتصلبة، او محاولة ابداء بعض المرونة، مما يعني تقديم بعض التنازلات، التي تتبعها تنازلات جديدة، وبالتالي فإن الخطوة الاولى، تمثل بداية الذوبان في المحيط الاجتماعي، وطرد المبادئ السابقة.

سياسة المغريات، والمناصب الدنيوية ليست جديدة، فهذه السياسة متبعة ومعروفة منذ القدم، الامر الذي يدفع الكثير من المجتمعات، لتقديمها ك ”طعم“ لجر رجل تلك العناصر ”المزعجة“، فعملية تقديم المغريات، تجري في الغالب بالتوازي مع ممارسات الترهيب، بحيث تشكل بمجموعها عوامل ضغط لإسكات تلك الاصوات، حيث ينقل التاريخ العرض المغري الذي قدمه كفار قريش، للرسول ﷺ اثناء دعوته للإسلام في مكة المكرمة، اذ عمد زعماء قريش لتقديم مغريات كثيرة لسيد الانبياء ﷺ من خلال القول ”اذا كان يريد الملك ملكناه وان كان يريد النساء زوجناه“، اذ جاءت هذه الدعوة بعد فشل جميع الممارسات، التي استخدمت لإجبار رسول الاسلام، على ترك دعوته وانقاذ المجتمع الجاهلي، من الظلام الى النور.

كاتب صحفي