آخر تحديث: 14 / 12 / 2017م - 6:50 م  بتوقيت مكة المكرمة

رسول الانسانية

محمد أحمد التاروتي *

ذكرى مولد الرسول الاكرم محمد ﷺ، محطة سنوية للتزود بالمعاني والمبادئ، التي تحمل في سبيلها مختلف انواع التنكيل والعذاب، على يد كفار قريش طيلة 23 عاما، ”ما اوذي نبي مثلما اوذيت“، فقد استقبل النكران والجحود من مجتمع قريش، بصدر رحب ”اللهم اهدي قومي فانهم لا يعلمون“.

قابل سيد البشر ﷺ شتى اصناف التنكيل، والحصار الاقتصادي، في شعب ابي طالب بمكة بالعفو والصفح، فقد اطلق مقولته الشهيرة بعد فتح مكة المكرمة، ”اذهبوا فانتم الطلقاء“، حيث جاء قرار العفو عن كافة كفار قريش بعد دخول مكة فاتحا، حيث قال ”يا يا معشر قريش: ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم“.

اعطى سيد الخلق محمد ﷺ، درسا للبشرية جمعاء بالطريقة الفضلى، لتعامل المنتصر مع العدو، فالمعاملة الانسانية وعدم الانتقام، تمثل رسالة عميقة في القدرة على امتلاك القلوب، حيث انعكست تلك المعاملة غير المفاجئة، من سيد البشر في دخول الكثير، من اهل مكة للاسلام، خصوصا وان العدو تلمس عن قرب المبادئ، التي يحملها الاسلام في الصفح، والتجاوز عن الاساءة، مما يمهد الطريق لعكس صورة مغايرة، للماكنة الاعلامية الضخمة، لقريش طوال السنوات الماضية.

فتح مكة المكرمة، يمثل نموذجا واحدا، من صفحات عديدة من المواقف الانسانية، التي جسدها الرسول الاكرم ﷺ، طوال حياته الشريفة، فمع اشتداد تنكيل قريش باصحابه في مكة المكرمة، لم يتخذ موقفا عدائيا على الاطلاق، حيث كان يقول ”صبرا ال ياسر“، حينما كان يمر على اسرة ”ياسر“، وهي تلاقي مختلف انواع العذاب تحت السياط، وكذلك الامر مع كافة الصحابة، الذين لاقوا الويلات، من صناديد قريش، في السنوات الاولى لبدء الدعوة الاسلامية.

سيد الانبياء ﷺ مارس منهجا واحدا، طيلة حياته المباركة، فبالرغم من السلطة الدينية والسياسية، التي امتلكها في المدينة المنورة، فان الانسانية بقيت احدى السمات البارزة في حياته الشريفة، اذ لم يقابل اساءة الاعرابي بمثلها، فبالرغم من الجفاء في تعامل الاعرابي، في طريقة مخاطبة النبي ﷺ حينما جر رداءه وقال ”أعْطِني من مال الله الذي عندك“، فهذه القصة تكشف المعاناة، التي كابدها الرسول ﷺ، مع المجتمع الذي يعيش فيه، فالمعاناة لم تقتصر على كفار قريش، بل تشمل كذلك البيئة الاسلامية، التي تحتضن سيد الانبياء ﷺ، في المدينة المنورة.

ذكرى مولد المصطفى ﷺ، فرصة لتصفح المواقف السامية، والانسانية، التي سجلها التاريخ، فكل موقف من المواقف، يمثل نبراسا للبشرية، وكذلك للمجتمعات الاسلامية، اذ يكفي وصف القرآن لهذه الشخصية العظيمة ﴿انك على خلق عظيم، فالاخلاق النبيلة، التي يحملها رسول الهدى ﷺ، تمثل مشعلا ينير الطريق، لكل المجتمعات البشرية.

كاتب صحفي