آخر تحديث: 14 / 12 / 2017م - 6:50 م  بتوقيت مكة المكرمة

ثقافة الصحبة

محمد أحمد التاروتي *

اختيار الصاحب، او الصديق، امر بالغ الاهمية، فالثقافة التي يحملها الصاحب، تمثل الطريق نحو الوصول للقمة، او الانحدار للحضيض، خصوصا وان الصديق يلعب دورا كبيرا، في الاختيار الصائب، او سلوك الطريق المعوج، فالجميع يدرك قدرة الصاحب على التأثير، في الطرف الاقرب الى قلبه، مما يفرض امتلاك القدرة، او البوصلة الدقيقة لحسن الاختيار، ”الصديق قبل الطريق“، و”من النعم الصديق الصدوق“.

عملية اختيار الصديق، ليست صعبة، ولكنها مهمة محفورة بالمخاطر، فالممارسة العملية تكشف المعدن الاصيل من المغشوش، بمعنى اخر فان المواقف الصعبة، تكشف صدقية الصديق الوفي من غيره، انطلاقا من قاعدة ”الصديق من صدقك وليس من صدّقك“، اذ تحتاج بعض المواقف المفصلية، اراء سديدة لتجاوزها باقل الخسائر، مما يتطلب من الصاحب التدخل، لابداء النصح الصادق، عوضا من تقديم المشورة الخاطئة، لاسيما وان البعض يحاول التفشي في اوقات الازمات، او يتوارى عن الانظار بشكل كامل، الامر الذي يفضحه لدى الطرف المقابل، ويسقط ورقة التوت التي يتوارى خلفها، في الفترة الماضية، ”في الشدة يختبر الصديق“، و”إخوان الصدق زينة في السراء وعدة في الضراء“.

القرآن يضع بصمات واضحة، في طريقة تعاطي الصاحب مع رفيقه، وتقديم النصح في سبيل انقاذه، من شيطانه الداخلي، والتحرك الجاد لمنعه، من السقوط في الهاوية، ”قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا“، فالقرآن يتناول الصحبة بمنظار مختلف تماما، لاسيما وان الصداقة تمثل قمة النصيحة، والوقوف مع الاخر، في المواقف الصعبة، ”الصديق من كان ناهيا عن الظلم والعدوان معينا على البر والإحسان“.

الصداقة في الغالب، تقوم على مشتركات ثقافية، او اهداف متقاربة، ”الصديق نسيب الروح والأخ نسيب الجسم“، لذا فان اواصر المحبة بين الاصحاب، تتشكل مع مرور السنوات، خصوصا مع استمرار المشتركات الثقافية، الامر الذي يفسر استمرار صداقات طويلة، في المجتمعات على اختلافها، فالمرء لا ينتظر من صديقه، سوى المبادلة الصادقة، في العلاقات الانسانية، مما يرفع من اسهم المحبة، في القلوب بين الاطراف، ”من بصرك عيبك وحفظك في غيبك فهو الصديق فاحفظه“.

الصديق الناصح، والصادق كنز ثمين، لذا فان التفريط في الصاحب الحقيقي، ينم عن ”حماقة“ وسوء تدبير، فالصديق الصدوق بمثابة عملة نادرة، يصعب الحصول عليها، مما يستدعي الاحتفاظ بها، وعدم الاستجابة للدعوات الداعية للتفريط بها، ”أعجز الناس من قصر في طلب الصديق وأعجز منه من وجده فضيعه“، ”من دعاك إلى الدار الباقية وأعانك على العمل لها فهو الصديق الشفيق“.

امتلاك ثقافة الصحبة شعلة، تضئ الطريق على الدوام، فهناك فريق بين الصديق الوفي، والرفيق ”عابر السبيل“، فالاول لا يحمل الضغينة، ويتمنى الخير، فيما يتحرك الثاني، من مصلحة شخصية، او دوافع مختلفة.

كاتب صحفي