آخر تحديث: 16 / 1 / 2017م - 4:15 م  بتوقيت مكة المكرمة

ثقافة الحرق

محمد أحمد التاروتي *

اُسلوب الحرق الذي تمارسه داعش، تجاه الأسرى ليس جديدا، او طريقة مبتكرة، فهذه الطريقة للتنكيل بالأعداء مستخدمة منذ القدم، حيث خلدها القرأن الكريم من خلال اصحاب الأخدود - الملك ذو نواس الحميري آخر ملوك حمير باليمن وجماعته -، مما يعطي دلالة واضحة، على وجود تناغم تام، بين الثقافة السائدة في الامم السالفة مع داعش، فاختلاف الفترة الزمنية، لا يمثل تباينا كبيرا، في اختلاف الفكر الذي يغذي الطرفين ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ.

الفرق بين داعش واصحاب الأخدود، كوّن الاول يمارس الحرق والتمثيل بالأعداء بشعارات دينية، وانطلاقا من الحرص، على نشر التعاليم الاسلامية في المجتمع، نظرا لانتشار الردة والكفر، في البيئات العربية، وغير العربية، فيما كان الخدود المحفور، في الفترة الغابرة تحارب الإيمان، وتدعو للكفر، الامر الذي دفع السلطة السياسية، وبدعم من السلطة الدينية، لاستخدام النار كسلاح، لادخال الرعب في النفوس، بهدف القضاء على موجة التوحيد، التي تسري في المجتمع آنذاك.

داعش واصحاب الأخدود، ينطلقان من استخدام الحرق، كأسلوب في معاقبة العدو، من قاعدة امتلاك الحقيقة، والوقوف امام انتشار الضلال في المجتمع، فالفكر الذي يحمله الطرفان يقوم على احتكار الصواب، وضلال الطرف المقابل، الامر الذي يبرر استخدام شتى أساليب التنكيل، اذ يمتلك الطرفان عناصر تبيح مثل الأساليب البعيدة، عن المبادئ الاخلاقية، فعملية تشريع الحرق ليست بحاجة، لمزيد من الجهد للحصول، على غطاء شرعي او قانوني، وبالتالي فان الاستمرار في حرق الأسرى، لا يتطلب سوى بعض الآيات، التي تقرأ قبل إضرام النار في الجسد.

اُسلوب الحرق من الأساليب الشيطانية، التي ابتكرها ابليس، حيث عمد لاقتراح هذا الأسلوب للقضاء، على نبي الله ابراهيم ”“، حينما قام بتحطيم الأصنام، التي تعبد من دون الله، اذ عمد - ابليس - للايحاء الى نمرود، بجمع الحطب بكميات كبيرة، بحيث لم يعد احد قادر، على الاقتراب من النيران، بعد إشعالها، مما دفع القوم لاستخدام المنجليق، لالقاء نبي الله ابراهيم في وسط النار ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرين.

اُسلوب النار عملية بشعة في التعذيب، اذ من الصعب تصور الآلام، التي يكابدها الانسان، بمجرد التعرض للحرق، فما بالك بالجلوس في قفص وسط النيران المستعرة، وبالتالي فان الأطراف الممارسة، لهذا النوع من القتل، تحاول إيصال رسائل قوية للطرف الاخر، وهذه الرسائل تتمثل في المصير نفسه، بمجرد الوقوع في الأسر، بالاضافة للرسائل السياسية المتعددة لمختلف الأطراف، فالهدف من وراء الحرق، يكمن في خلف العملية، بقدر ما تحمله طريقة الحرق، من فظاعة كبيرة للقاصي والداني.

داعش أعطت العالم دروسا، كثيرة القدرة على استدعاء، مختلف أساليب القتل والتعذيب، مما يوحي بوجود فريق مدرب على نبش الماضي، لاستخدام مختلف طرق القتل، اذ لم يعد النحر طريقة وحيدة، او التفجير او الاغراق، بل هناك قائمة طويلة ما تزال موجودة، ولم تظهر للعلن، او استخدمت بطريقة، بعيدة عن الاعلام.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
أبو محمد
[ القطيف ]: 1 / 1 / 2017م - 9:28 م
متى تصل تمديدات الغاز عبر العراق وسوريا الى اوروبا بتسكن هذه الخزعبلات ..
التخطيط العالمي والتغليف محليا .. الصورة واضحة للجميع مهما حاولوا لبس امورهم بأفكار يظنون انها دينية
كاتب صحفي