آخر تحديث: 24 / 8 / 2017م - 12:16 ص  بتوقيت مكة المكرمة

ثقافة الثراء

محمد أحمد التاروتي *

”الفقر في الوطن غربة والغني في الغربة وطن“ و”كادَ الفَقرُ أن يَكونَ كُفراً“، و”لو تمثل لي الفقر رجلاً لقتلته“.. هذه الاحاديث، وغيرها من الاحاديث الكثيرة، تمثل منهجا للتحرك الجاد، باتجاه كسب المال، وطرد الفقر من البيئة الاجتماعية، خصوصا وان الفقر يشكل بيئة حاضنة، لمختلف الامراض الجسدية، والنفسية، والاجتماعية، فيما يخلق الغنى مجتمعا قادرا، على تجاوز الكثير من العراقيل، التي تعترض طريقه، حيث يمثل المال وسيلة فاعلة في القضاء، على العديد من المشاكل الاجتماعية، والجسدية في الامم على اختلافها، الامر الذي يفسر تنامي حالات الموت، في البلدان الفقر، وتقلصها في البلدان الغنية.

المال ليس مقياسا في التفاضل الاخروي، فالمعايير الالهية تختلف تماما عن المقاييس البشرية، حيث يمثل عمل الانسان الرصيد الدائم، في تحديد مصيره في الاخرة، بيد ان صاحب المال بامكانه، تسخير مقدراته المادية في تحقيق، ما يصعب على الفقير انجازه، ”غني شاكر خير من فقير صابر“، وبالتالي فان امتلاك ثقافة الغني، ونزع ثوب الفقر امر بالغ الاهمية، نظرا للتداعيات المترتبة، على وجود المال، بخلاف حرمانه، انطلاقا من قاعدة ”استغن عمن شئت تكن نَظِيرَهُ، وأفضِل على من شئت تكن أميرَه، واحتج إلى من شئت تكن أسيره“.

امتلاك الثروة يتطلب السعي الدائم، والحركة الدائبة ”في الحركة بركة“، فالثروة في الغالب، لا تنزل من السماء بدون تعب، او سهر او مكابدة، فعملية السعي لنزع جلباب الفقر، ليست سريعة، بل تتطلب سنوات، وبشكل تدريجي، خصوصا وان ”الفقر الموت الاكبر“، كما ان احلام اليقظة، لا تصنع الثروة، بل تدغدغ المشاعر للحظات، فالغني ”لا‌ ﻳﻨﺎﻝ ﺍﻟﺮﺯﻕ ﺑﺎﻟﺘﻤﻨﻲ“.

البعض يمارس النصب، والاحتيال، في سبيل تحقيق الثراء السريع، اذ يبدأ في نصب الافخاخ، في طريق السذج، او البسطاء، عبر تقديم الوعود بتحقيق الارباح السريعة، الامر الذي يسهم في الايقاع بعشرات الناس، حيث لا يجد الضحايا سوى الحسرة والندامة، خصوصا وان اكتشاف الحقيقة، يكون بعد فوات الوقت، وهروب ”النصاب“، بالاموال للخارج، او التصرف بها، دون القدرة على ارجاعها، مما يدخل الضحايا، في دوامة المحاكم، وسنوات من الانتظار، دون جدوى.

عملية كسب المال امر ضروري، فجمع الدراهم والدنانير، ليست غاية في ذاتها، بقدر ما تمثل وسيلة، لاكتساب رضوان الله تعالى، بمعنى اخر، فان الركض وراء تحصيل الاموال، دون الالتفاف للضوابط الشرعية، لا يجلب سوى الخراب، والويلات، بينما يمثل اختيار الطريقة الشرعية لتحصيل الثروة، عنصرا ضروريا، الامر الذي يفسر حرص الدين، على وضع الضوابط، لتحديد المسارات المباحة، والمحرمة، في طريق الوصول الى الثروة والغني، فالنظرية الرأسمالية التي تضع تحصيل المال مقياسا، في الحياة مرفوضة في الدين الاسلامي، بحيث تشكل بعض الممارسات، خط احمر في تحصيل الاموال.

كاتب صحفي