آخر تحديث: 23 / 2 / 2017م - 10:11 م  بتوقيت مكة المكرمة

في المقابر يكرَّم المبدعون!

عادل القرين

بينما كنت جالساً أحتسي كوباً من الشاي «المُخَدَّر على نارٍ هادئة» خطرت في بالي هذه الوقفة، وإنما هي مرثية الإبداع في الحقيقة والواقع.. في ظل كل مدعٍ زاعمٍ، ومتطاولٍ ناغم بالرأي المريض.. ف يحق لك أن تُقوس هذا المثل الحساوي::

.. ”تيش ابريش امعلق في عريش“

فحقاً حقاً، ما أكثر التنظير، وما أقل التدبير!

من هنا علينا أيها الأحبة أن ننظر لكل الأمور بمنظور «الساندويش» بمعنى أن نمتدح الفكرة، ونطرح الرأي بكل احترامٍ وموضوعية، ونختتم الكلام بالثناء وتكرار المحاولة.

على كلٍّ، ماذا نعرف نحن عن الإبداع؟

يقولون أهل التخصص والاختصاص الإبداع في اللغة: هو بدع الشيء أي أنشأه على غير مثال سابق.

والإبداع يأتي بالبديع أي أنشأه على غير مثالٍ مسبقٍ.

والإبداع أيضاً: هو اختراع الشيء.

والإبداع في الأدب: هو الخروج على أساليب القدماء، واستحداث أساليب جديدة.

والإبداع عند الفلاسفة: هو إيجاد الشيء من عدم..

ويقول آخر: هو أيجاد الشيء من لا شيء.

وأما الإبداع في المصطلح الحديث فقد أختلف العلماء المعاصرون في تحديده إذ قال آينشتاين: هو عملية تنتج عنها عمل جديد يرضي جماعة ما أو تقبله على أنه مفيد.

وكذلك قال الدكتور عبد الرحمن عيسوي: الإبداع ليس مجرد مُحاكاة لشيء موجود، وإنما هو اكتشاف علاقات ووظائف جديدة، ووضع هذه العلاقات وتلك الوظائف في صورةٍ إبداعيةٍ جديدة.

ويقول أيضاً الدكتور طارق السويدان: هو النظر للمألوف بطريقة أو من زاوية غير مألوفة ثم تطوير هذا النظر ليتحول إلى فكرة، ثم إلى تصميم، ثم إلى إبداع قابل للتطبيق والاستخدام.

وكذلك قال فرانك برنس في كتابه «الخروج من الصندوق»: هو العملية التي تؤدي إلى ابتكار وأفكار جديدة تكون مفيدة ومقبولة اجتماعياً عند التنفيذ.

وبعد صولة وجولة في الكتب والمراجع والبحوث ورد في فكري وخاطري هذا السؤال: من هو المبدع الحقيقي؟

حيث يظن بعض الناس أن الإنسان المبدع ولد هكذا مبدعاً، وهذا القول غير دقيقٍ في ركيزته وفحواه ومحتواه ولكننا نقول: بأن كل شخصٍ يستطيع أن يبدع ويبتكر حسب ما يمتلكه من معطيات فالناس المبدعون هم الذين لا يكبحون إبداعهم الفطري، فهم يستخدمون قدراتهم الإبداعية في مختلف أوجه الحياة بشفافية مطلقة دون تكلفٍ أو تملقٍ أو زيفٍ.

والسؤال الأهم هُنا والذي قد يتبادر إلى ذهنك وذهني: ما هي صفات أهل الإبداع وأربابه؟

ويجيب على ذلك العلماء فقد صنّفوهم بالصفات التالية:

واثقون بأنفسهم، ولا يضطربون ولا يحبون الروتين.

لا يخشون الفشل «فأديسون» جرب 1800 تجربة قبل أن يخترع المصباح الكهربائي.

مثابرون، مبادرون، متفائلون، مرحون، متواضعون.

يتجاهلون تعليقات الآخرين السلبية، مبتعدون عن الأنا والأنانية.

يبحثون عن الطرق، والحلول البديلة بأسرع وقت ممكنٍ، ولا يكتفون بحلٍ أو طريقةٍ واحدةٍ لشموليتهم واتساع أُفقهم المعرفي والعلمي والواقعي.

لديهم تصميم وإرادة قوية، ولديهم أيضاً أهدافاً واضحة يريدون الوصول إليها بأسرع وقت وذلك باستثمار أعمارهم وطاقتهم.

يفضّلون التأمل والتفكير على اللغو والثرثرة، ويكرهون العمل في مواقف تحكمها قواعد رجعية مريضة.

قادرون على فهم دوافع الآخرين، وكذلك لديهم القدرة على تنظيم العمل باستمرارٍ وبحبٍ وتعاونٍ وتفانٍ وإيثارٍ واهتمامٍ واحترام.

يمتلكون القدرة الكبيرة على تحمل المسؤولية.. لذا تجدهم متعددو المواهب الميول والاهتمامات والمهارات ورغبة في التعلم.

واسعوا الأفق والخيال، وعلى ديمومة التساؤل والتفكر.. فهم يذهبون للعمل، وهم على أتم استعدادٍ لبذل الجهد والعطاء دون مللٍ أو كللٍ.

يحبون التمعن في الأفكار الجديدة.. لذا تجدهم يحبون التجريب والمحاولة.

تجدهم منظمين في كل حياتهم «البيت، العمل، السيارة..».

يتوقفون أحياناً عن حل المشاكل.. ولكنهم لا يتوقفون عن التفكير فيها.

يستخدمون طرقاً غير مألوفة لدى الآخر في إنجاز ما يكلفون به من أعمال ومهام.

يقترحون أفكاراً قد يعتبرها الآخرون غير معقولة ومستحيلة.. لذا تجدهم يميلون للتحليل والاستدلال بإسهابٍ مقنع.

تلقى أفكارهم تجاهلاً أو معارضةً، وربما سُخرية من بعض زملائهم ومحيطهم.. لذا تجدهم لا يتكيفون مع الآخر بسهولة.

قد تبدو عليهم الرغبة في التفوق العلمي والأكاديمي وربما العكس.. لذا تجدهم يفضلون التنافس والتحدي بالإنجازات.

يتلقون أوامر من يفوقهم منصباً بالتساؤل والاستفسار.. لذا تجدهم لا يحبون التقليد الأعمى والمقنع.

يحبون المجازفة والمخاطرة والمغامرة.. لذا تجدهم يحبون التغيير والتجديد في كل شيء.

يربطون بين خبراتهم السابقة، وما يكتسبونه من خبرات جديدة.. لذا تجدهم يقاومون التدخل الغير مبرر أو مشروع.

يتأثرون ويؤثرون على من حولهم فهم يدركون الأشياء لا كما يدركها من هو حولهم بابتسامة شفيفة، ونوايا عفيفة وصادقة.

.. وبعد تعب العمل استلقيت على سريري علني أحظى بحلم سعيدٍ يخفف عني ثقل الوزر الذي حملته في يومي هذا، ورحت في سباتٍ عميقٍ، وحلمت بالشاعر الأديب، والمخضرم الأريب «فايز التوش» وقال لي: ماذا تقول يا فتى عن الإبداع، وهو يضحك بقهقهة عالية كادت أن تُحيل وسادتي إلى لونٍ أخرٍ.. مما أثار عجبي منه، وقلت له: يا عم فايز ما بك تضحك عليَّ؟!

فنظر إليَ بنظرة أبوية حانية وقال: كم كانت حياتي مشرقة أفطر على مقال، وأتغدى على معلَّقة، وأتعشى على قصيدة، وأتسامر مع حكمة.

بُني عادل: لقد قلبت علي الأوجاع والآلام.. كم كان البقال يُطالبني بنقوده، وكم كان صاحب المقهى يوبخني لعدم سدادي أجرته!

ولكن من أين لي فلا شيء بحوزتي!

ثم قال بُني: كان لي صديقاً محققاً في التأريخ قد وافته المنية قبل أشهر وانتقل إلى رحمة الله.. فحينما كان على قيد الحياة كان مُهمَلاً، وكان يجلس على ذلك الكرسي المعتق بلونه البني، وقد دمعت عيناه للتأريخ الذي كتبه وسيخلفه لغيره الغير مبالٍّ، والغريب في الأمر أن أهله عملوا له تأبيناً وتكريماً لرحيله.. بالطبع لذكر الإرث الذي ورثوه عنه، وما سيجنون من أموال، وكنت أنا يا ولدي مدعواً لذلك التكريم!

الشاهد لا أعلم من الممدوح ومن المادح في هذا الموقع على وجه التحديد، وقس برؤيتك ما ترى، فالطيور على أوراقها تقع كما قيل ودونته صحاح هذا المقولة!

ثم أردف لي قائلاً: لقد ذكرتني بأمرٍ هامٍ مضحكٍ ومبكٍ في آنٍ، ففي يومٍ من الأيام خطر في بالي فكرة، وذلك بأن أعلن في المعمورة عن موتي وأنا على قيد الحياة كي أرى ماذا يصنعون أهلي وعزوتي بعد ذلك!

نعم، كالمعتاد حزن الأدباء، والمثقفون، وأعواد المنابر وغيرهم لرحيلي، وبعد أيام معدودة أعلنوا بأنهم سيقيمون حفلاً تأبينياً لتكريمي!

وفي يوم الحفل تنكرت بملابس غريبة ودخلت قاعة الاحتفال، وهم يبجلوني ويمتدحوني، وقد انفقوا على هذا الحفل ما لو أنفقوه عليَّ لحللت جميع مشاكلي وسددت أفواه من يطالبني!

أجل، وما أن كشفت اللثام عن وجهي حتى صعق الحاضرون إذ رأوني حياً بينهم

حينها ترجل عريف الحفل عن منصته مهرولاً، وعيناه لا تعرف جادة الطريق، وامتطيت تلك المنصة بقولٍ مختزلٍ شفيف:

. ”وردة تهدوني إياها في حياتي، أفضل من باقة ورد تضعونها على قبري“

«ليتك يا فايز اتحضر

على اللي صاير بربره

هذا بكلامه يشتهر

وهذا بزهامه دندره»

كل هذا، والسؤال ما يزال يطرح نفسه بنفسه أمامي، لماذا لا يُكرّم المبدع في حياته، ويكرم بعد وفاته؟

ولماذا يمتدحه من يعرفه ومن لا يعرفه بعد المنون؟!

يقول لي من يجلس بجواري: يخاف أن يمتدح ويعطي الممدوح والممتدح من هالة شموخه ومكانته الوجودية بتفضيله على نفسه!

فأجبته: هذا واقع من لا يملك ثقة بنفسه ونتاجه وما يحمل من فكرٍ وثقافةٍ مع الأسف!

همسة الختام والسلام..

 يقول أهل الإبداع: يمكنكم تعلم الإبداع، فالإبداع يتأثر بالوظيفة وعوامل البيئة، وإن معظم مهارات الإبداع غير متوارثة بل مكتسبة بالعلم، والمعرفة، والتدريب، والاجتهاد، والخبرة، وديمومة التجريب.

والتساؤل المهم هُنا:

 ما حال هذا المديح الذي تتحصل عليه اليوم على أسرتك وإخوتك ومجتمعك؟

 ما حال هذا المديح المُختزل اليوم لو تحصلت عليه قبل فترة زمنية.. وما انعكاساته على أسرتك وإخوتك ومجتمعك؟

 من عرف الهمة تسيد المهمة.. تحياتي لك يا حامل المسك والريحان.