آخر تحديث: 30 / 5 / 2017م - 3:19 ص  بتوقيت مكة المكرمة

لا تنبهر ولا تتقوقع

وديع آل حمّاد

كتبت هذه الورقة في عام 2008 م عندما التحق ابني في برنامج الابتعاث للدراسة في الخارج، إلا أني أرى مازالت لها صلاحية للنشر فنشرتها:

ابني العزيز:

ما دمت عزمت على الذهاب إلى كندا لغرض الدراسة أكتب لك في هذه الورقة خلاصة تجارب ما سمعته ممن عاشوا في الغرب - إذ لم أعش فيها - وما قرأته عن الحياة في الغرب، عسى أن تكون لك فيها فائدة وسعادة وصلاح.

قد ينتقل الفرد من بلادنا إلى بلاد الغرب للدراسة أو لأي غرض آخر فتتغير قناعاته وآراؤه ومفاهيمه، فينقلب رأساً على عقب، لتغير النسق الحياتي والنمط التفكيري والظروف الثقافية والاجتماعية التي تحيط به، المتغايرة مع الأنساق والأنماط الحياتية والرؤى الفكرية والثقافية التي كان يعيشها.

وقد ينتقل آخر إلى نفس المكان ولنفس الغرض إلا أنه حاملٌ معه قناعاته وآراءه ومفاهيمه وأنماط تفكيره والنسق الحياتي المعاش في بلادنا، فلا يحيد عنها قيد أنملة.

فمن من هؤلاء يسير في المسار الصحيح، الأول أم الثاني؟

عندما نطرح هذا التساؤل في فضائنا الثقافي والفكري سنجد فريقين يمثلان الغالبية:

فريق يتجه نحو تأييد الأول وهو الذي يرى في الغرب بتأثير الانبهار النموذج الأمثل، الذي ينبغي أن تعرض قناعاتك وآراءك ومفاهيمك على النموذج الغربي فما طابقه لزاماً عليك تبنيه وما خالفه اضرب به عرض الجدار.

وفريق يتجه نحو تأييد الثاني، وهم المتقوقعون المنفصلون عن الواقع، الذين يرون الاندماج مع المجتمع الغربي يؤدي إلى ضياع القيم والمثل والمبادئ التي تربى عليها الإنسان الشرقي.

وبنظرة تأملية بعيدة عن الانبهار المؤثر في الفريق الأول، والتقوقع السمة الراسخة في الفريق الثاني نجد أنَّ هاتين الرؤيتين المنبهرة والمتقوقعة لا مكان لهما في دائرة التعقل، باعتبار أنَّ كليهما يعيشان في حالة انفصام تام، الأول عن ماضيه والثاني عن واقعه.

الأول انفصل انفصالاً تاماً عن ماضيه بتخليه عن قناعاته المتمثلة في دينه ولغته وقيمه ومثله ومبادئه. والثاني انفصل عن الواقع الذي يعيش فيه.

ومن الطبيعي هذا الانفصال التام يفقد الإنسان توازنه ويؤثر على صحته النفسية، فالأول المنفصل عن ماضيه تماماً قد يصاب بانفصام الشخصية، والثاني المتقوقع قد يصاب بالانزواء والانطواء والاكتئاب.

يا بني:

كلاهما يسيران في المسار الخاطئ، وللنأي عن متبنيات هذين الفريقين يجب عليك العمل على بناء جسور سليمة بين قناعاتك المرتبطة بماضيك وواقعك الجديد، الذي تعيشه بأنماطه وأنساقه ورؤاه.

فلا تسمح لشحنات الانبهار ولا لشحنات التقوقع بالعبور على هذه الجسور.

وعدم السماح لهذه الشحنات بالعبور لا يكون إلا بالاندماج مع الواقع الجديد من موقع الناقد المتفحص المدقق لا من موقع التابع المنبهر، وكذلك بعدم التقوقع على متبنياتك السابقة، بل قم بعملية فرز جادة بين ما يقبله الشرع والعقل وما يرفضه، فليس كل متبنياتك السابقة موضع قبول من الشارع المقدس أو تتلاءم مع العقل.

فالاندماج المدروس والمتوازن مع الواقع الجديد وفرز المتبنيات السابقة بطريقة عقلانية شرعية تجعل المرء يلائم بين ماضيه وواقعه الجديد، فلا ينجرف إلى عالم جديد حافل بالغث والسمين والخير والشر، وكذلك لا يبقى أسيراً لسجن الماضي بما فيه من متبنيات تتعارض مع الرؤية الشرعية وواقعه الجديد.

بهذه النظرة العقلانية يستطيع المرء أن يندمج مع الواقع الجديد ويكون متفاعلاً معه كفاعل أكثر من كونه منفعلاً وفي الوقت نفسه يحافظ على القيم والمبادئ والقناعات الداخلة في دائرة الثوابت التي تحفظ هويته ويبقى متمسكاً بدينه وعقيدته.

وأخيراً: ابني إن سرت على درب هذا النصح سعدت وإلا كل تميمة لا تنفع.

وفقك الله وجعلك ممن يستمعون القول ويتبعون أحسنه.