آخر تحديث: 23 / 4 / 2017م - 10:39 م  بتوقيت مكة المكرمة

لا ديمومة للنص دون إعمال الأفهام الجديدة

حسن المصطفى * صحيفة الرياض

ثمة باحثون مختصون في اللاهوت الديني، وفلاسفة يشتغلون منذ عقود، على تطوير فهم جديد للنص، وإعادة صياغة رؤية عقدية دنيوية لعلاقة الإنسان بالأديان. وهذا الاشتغال لا يسعى لتغيير الفهم النمطي السائد والقديم، القائم على الطاعة والتلقين، وحسب، وإنما يهدف إلى وضع تصور جديد ومغاير عما هو قائم في أذهان العامة من الناس.

دائما ما يتم التعامل مع الفرد بوصفه خادما، وتابعا ل ”النص“، وهو بذلك يكون مرتبطا به، غير معاند له، ملتزما بما يرد فيه، ومؤمنا بقطعيته ونهائيته. تلك معيشة ملايين المؤمنين في جميع الديانات حول العالم. إنما مدرسة ”علم الكلام الجديد“ تسعى إلى تقدم رؤية مختلفة تجعل فيها ”النص“ خادما للإنسان. فهذا الأخير هو من جاء ”النص“ لإسعاده، وإعطائه ما يريد، وجعل نمط حياته أكثر سهولة وقيمة.

الاختلاف المنهجي هذا تترتب عليه الكثير من النتائج، والتي في مقدمها زمنية ”النص“ وعدم نهائيته. أي أنه جاء كاستجابة للجماعة البشرية في زمن صدوره. هو حلول مقدمة عما كان يواجهه المؤمنون من مشكلات في حيواتهم المختلفة، وبيئاتهم المتباينة، بل حتى وشخوصهم التي تتباينُ من فرد لآخر.

هنا يتم حذف نص وتقديم آخر، بل إشاحة النظر عن جملة نصوص، كونها لم تعد لديها القابلية لأن تعطي الإنسان المعاصر أجوبة علمية ومقنعة عما يدور في ذهنه من استفهامات!.

لم تعد الأسئلة الآن هي ذات الإشكالات البسطية والبدائية التي كان الناس يطرحونها على الأنبياء والمصلحين في القرون السالفة. وإنما تولدت أسئلة مختلفة تماما، تبعا لما حصل من تقدم في العلم والفلسفة والتقنية، وأيضا آلاف الأنماط الحياتية المختلفة من بيئة ومجتمع لآخر، وما تفرضه من تحديات.

من هنا يشتغل د. عبد الجبار الرفاعي على تقديم ”فهم آخر للدين“، قائم على ”تأويل مختلف للنصوص الدينية، عبر قراءة شاملة لهذه النصوص، تستلهم نظامها الرمزي، وما تختزله من معان ومداليل، لا تبوح بها إلا من خلال عبور المنظومة المغلقة للفهم التقليدي لها، وتوظيف منهجيات وأدوات المعرفة البشرية والعلوم الإنسانية الراهنة، لتفسيرها في ضوء متطلبات العصر ورهاناته“.

هذا المنهج الذي يتبعه الرفاعي، يروم أن ”لا يختزل الدين في المدونة الفقهية فقط، ولا يقوم بترحيله من حقله المعنوي والقيمي الأخلاقي إلى حقل آخر، يتغلب فيه القانون على الروح، ويصبح الدين أيديولوجية سياسية صراعية“.

هنا نحن أمام معضلتين: الأولى ثبوتية تحنط الدين، والأخرى أصولية تحوله إلى مصدر للعنف والكراهية. وكلاهما ناتجتان عن القراءة التنميطية التي تقف مرتابة وممانعة تجاه انفتاح النص على الأدوات المعرفية والفلسفية الحديثة.

إن أي خطاب لا يمكنه أن يعيد انتاج الدين ما لم ”يُبَيئهُ“، ويتعامل مع جانبه الأرضي، بوصفه طريقة عيش تكابد مشاق ومصاعب الحياة، وليس مجرد مفهوم ”متسامٍ“ لا يمكن الإمساك به أو تطبيقه!.