آخر تحديث: 28 / 2 / 2017م - 8:11 ص  بتوقيت مكة المكرمة

العطاء حياة

عبدالله الحجي

سئل أحد الحكماء، ما الفرق بين من يتلفظ الحب وبين من يعيشه؟

قال الحكيم: سترون الآن، ودعاهم إلى وليِّمة وبدأ بالذين لم تتجاوز كلمة الحب شفاههم ولم ينزلوها بعد إلى قلوبهم، وجلس إلى المائدة وجلسوا بعده. ثم أحضر الحساء وسكبه لهم وأحضر لكل واحد منهم ملعقة بطول متر! وأشترط عليهم أن يحتسوه بهذه الملعقة العجيبة، وحاولوا جاهدين لكن لم يفلحوا فكل واحد منهم لم يقدر أن يوصل الحساء إلى فيه دون أن يسكبه على الأرض!! وقاموا جائعين في ذلك اليوم.

قال الحكيم: حسنا، والآن أنظروا… ودعا الذين يحملون الحب داخل قلوبهم إلى نفس المائدة فأقبلوا والنور يتلألأ على وجوههم المضيئة، وقدم لهم نفس الملاعق الطويلة! فأخذ كل واحد منهم ملعقته وملأها بالحساء ثم مدها إلى الشخص الذي يقابله، وبذلك شبعوا جميعاً، ثم حمدوا الله.

وقف الحكيم وقال: من يفكر على مائدة الحياة أن يشبع نفسه فقط؛ فسيبقى جائعاً، ومن يفكر أن يشبع أخاه سيشبع الاثنان معاً.

قصة يقال أنها من الأدب التركي جدا معبرة توضح بأن الحياة ليست في الاكتفاء بالأخذ من الآخرين دون العطاء، وليست لمن لا ينظر إلا لنفسه ولا يهتم بمن حوله ممن هم بحاجة إلى عطائه ولطفه. تتمثل الحياة الحقيقية بالبذل والعطاء لمن حولك ابتداء من القريب إلى البعيد. فبالعطاء يشبع الجائع ويروى الضمآن ويكسى العريان وترسم البسمة على شفاه لطالما سلبتها منها ظروف الحياة وقسوتها، وبالعطاء يتحقق التكاتف والتعاون ليصبح الجميع جسدا واحدا تكنفه المحبة والألفة، وبالعطاء ترتقي الأمم وتسمو الشعوب وتزدهر الأوطان وتتجسد أعلى مراتب الإنسانية.

العطاء سمة إنسانية يشعر بحلاوتها من يسخر نفسه للعطاء في أي مجال كان. من يعطي للآخرين يتمتع بالفكر الراقي الحضاري والإنسانية الكبيرة وصفاء الروح فكلما أعطى ونظر إلى من حوله بأنه سبب في إدخال البهجة والسرور عليهم، كلما حفزه وشجعه ذلك لتقديم المزيد من العطاء لكي يعيش من حوله بهناء وينعم هو بالرضا الذاتي، ويرتقي بارتقائهم. من يعطي بإخلاص يتحرر من قيود الأنانية وحب الذات ويسعد كلما خلق جوا من البهجة والسعادة في البيئة المحيطة به.

عندما تعطي لاتكن انتقائيا في عطائك لمن تعرف فقط ومن بينك وبينه مصلحة ومنفعة أو تتوقع منه أو من أحد المقربين إليه شيئا من ذلك. عندما تعطي لا تنتظر رد الجميل والجزاء والشكر والثناء. عندما تعطي اعط قربة لوجه الله تعالى ولا تتبع عطاءك بالمن والأذى. عندما تعطي إياك أن ترى الذل والانكسار على وجه من تعطي وتريق ماء وجهه، فالله خلقه وكرمه فاحفظ له كرامته وماء وجهه. قال الإمام الحسن

نحن أناس نوالنا خضل *** يرتع فيه الرجاء والأمل

تجود قبل السؤال أنفسنا *** خوفاً على ماء وجه من يسل

جميل أن يعطي الإنسان من يعطيه ويرد له الجميل، وجميل أن يعطي من يعرفه ولكن الأجمل والأعظم أن يعطي من حرمه ومن لم يعرفه. يقول كارل مور في كتابه «18 قاعدة للسعادة»: اعط بلا مقابل ولا تركز فقط على من تعرفه أو بينك وبينه قرابة أو صداقة. حاول بين الفينة والأخرى أن تدفع مثلا قيمة غسيل السيارة التي خلفك حتى وإن لم تكن تعرفه ليتفاجأ هو بذلك. حينها ستغمره السعادة وينبهر من هذا العمل ولربما يطبق ذلك مع شخص آخر وتستمر الحلقة مع أكثر من واحد.

عندما سمع بعض الأشخاص بذلك قالوا إن ذلك في عالم المثاليات والخيال وغير موجود في هذه الأيام. بينما البعض الآخر استنكروا ذلك وأخذوا يسردوا بعض المواقف المجيدة الأعظم من مجرد دفع قيمة غسيل سيارة لشخص لا تعرفه. نعم الأمثلة كثيرة يطول المقام بذكرها في هذه المقالة ولكن لا غرابة في ذلك وهو خلق سيدنا وقدوتنا صاحب الخلق العظيم حيث يقول ﷺ:“ألا أدلكم على خير أخلاق الدنيا والأخرة: تصل من قطعك وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك”. فلا تنتظر مبادرة الآخرين بالتواصل معك والعطاء والعفو بل كن أنت المبادر وابحث عمن لا يصلك وصله، وعمن لا يعطيك واعطه فذلك سيكون له انعكاسات إيجابية تجعله يشعر بالخجل ويحذو حذوك في الاقتداء بالأخلاق المحمدية.

وإذا كنت معطيا فلا تعطي مالا تهواه ولا تحبه نفسك، ولا تعطي الأشياء التالفة والقديمة بدافع التخلص منها فالخير كل الخير في تقديم الأشياء المحببة إلى قلبك والتي تكون في صراع مع نفسك للتبرع بها كما قال الله جل وعلا: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ. إنك حين تعطي فإن عطاءك لله أكرم الأكرمين فكن على ثقة بالله بأنك لن تفتقر أبدا بسبب عطائك في حب الله وأن الله حتما سيخلف عليك ويعوضك أضعاف ما صرفت فالله كريم لا بخل في ساحته. قال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ.

مجالات البذل والعطاء وأبوابه مشرعة لينهل منها من أراد سواء كانت مادية أو معنوية كل حسب مقدرته وتخصصه وخبراته عبر الجمعيات والمؤسسات الخيرية وغيرها من الأنشطة الاجتماعية والثقافية. العطاء ليس شرطا بأن يكون كثيرا فكل على حسب مقدرته، فمن لا يملك الكثير حري به أن يتدرب ويربي أبنائه على إعطاء القليل حتى وإن كان الكلمة الطيبة والابتسامة، فقد ورد عن رسول الله ﷺ:“الكلمة الطيبة صدقة”، و“تبسمك في وجه أخيك صدقة”.

ولله الحمد يوجد في وسطنا الاجتماعي الكثير من النماذج المشرفة التي نذرت نفسها لتلمس احتياجات المجتمع والمبادرة بالبذل والعطاء بسخاء لسد أي عوز ورفع حاجة الفقراء والمحتاجين والأيتام، بل أبعد من ذلك بالمساهمة في مشاريع رائدة لرفع مستوى المجتمع والرقي به. والمجال المعنوي لا يقل شأنا أيضا حيث ساهم الكثير من الإخوة والأخوات بالتضحية بأوقاتهم وبذلوا قصارى جهدهم تطوعا لخدمة أبناء مجتمعهم في مختلف المجالات المذكورة أعلاه كل حسب تخصصاته وإمكاناته وقدراته فالمال وحده لا يكفي ولابد ممن يتحمل المسؤولية بوقته وخبراته وعلمه ليكمل كل منهما الطرف الآخر. فلتكن انطلاقة عام 2017 انطلاقة خير وعطاء بوضع الأهداف السامية التي تحقق ذلك وتخلق جوا من السعادة وتسهم في تطور ونهضة وطننا الغالي.