آخر تحديث: 18 / 1 / 2017م - 3:26 م  بتوقيت مكة المكرمة

ثقافة التجارة

محمد أحمد التاروتي *

اعطى رسول الاسلام ﷺ، درسا عميقا للبشرية جمعاء، فيما يتعلق بالتعاطي مع نشر ثقافة العمل الحر، وانتهاج التجارة، كأسلوب في تحسين المستوى المعيشي، فقد تعاطى سيد الخلق ﷺ، بصورة مغايرة تماما، للطريقة التقليدية، في مساعدة ”الفقير“، الذي جاء يطلب المساعدة، اذ عمد لوضع رجله على طريق العمل الحر، وكسب الرزق عن طريق الجهد الذاتي، حيث دفع الرسول الكريم ﷺ الفقير، لبيع بعض مقتنيات منزله المتواضع بدرهمين، فأعطاهما الرجل الفقير، وقال له: «اشترِ بأحدهما طعامًا إلى أهلك، واشترِ بالآخر قدومًا «فأسًا» فأتني به»، وقال له: «اذهب فاحتطب وبع ولا أَرَينَّك «لا أشاهدنَّك» خمسة عشر يومًا»، ثم رجع بعد أن كسب عشرة دراهم، واشترى ثوبًا وطعامًا، فقال له الرسول ﷺ «هذا خير لك من أن تجيء المسألة نُكْتَةً «علامة» في وجهك يوم القيامة».

نشر ثقافة التجارة، عملية ضرورية، للارتقاء بالاقتصاد الجمعي، في البيئة الاجتماعية، خصوصا وان الفقر يمثل حالة مذمومة، ”الفقر الموت الاكبر“، فالاسلام يحث الجميع على العمل الحر، وفق الضوابط الشرعية، ”الكاد على عياله كالمتشحط بدمه في سبيل“، مما يعطي واضحة، على اهمية العمل في حياة المرء، عوضا من الاعتماد على المسألة، في تحصيل قوت اليوم.

التجارة او العمل الحر، وسيلة من الوسائل المضمونة، لتحسين المستوى المالي، والمعيشي، الامر الذي يفسر كراهية العمل، كأجير لدى الاخرين، ”من آجر نفسه فقد حظر على نفسه الرزق“، فالعمل الحر مجاله واسعه، وآفاقه متعددة، مما يعطي المرء القدرة، على الابداع والابتكار، والانطلاق بقوة في تحقيق الاهداف، والصعود نحو القمة، بيد ان العملية تتطلب تخطيطا، وقدرة على الاختيار الصائب، والبحث الدائم عن الجديد، والابتعاد قدر الامكان عن التكرار، واستنساخ الاخرين، فالانسان الناجح، من يجعل الاخرين، يركضون خلفه بشكل دائم.

الحث على التجارة، في النصوص الدينية واضح، فمرة يصفها القرآن بالنصيب، ﴿لا تنسى نصيبك من الدنيا وتارة اخرى بالسعي، ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ، وثالثة بالعمل، ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ، فضلا عن الاحاديث الكثيرة، التي ترغب على الانخراط بقوة في ممارسة التجارة، وعدم الاعتماد على الوظيفة، ”الاجارة“، ”تسعة أعشار الرزق في التجارة“، والتاجر يشارك الاخرين في العشر الاخير، مما يمثل دلالة واضحة، على اتجاه لترسيخ قواعد ثابتة، في المجتمع، لتكريس ثقافة العمل الحر، لدى شريحة واسعة من الناس، باعتبارها - الثقافة - عنصرا اساسيا، في اخراج البيئة الاجتماعية، من حالة العوز والفاقة، الى بحبوحة الرخاء والرفاهية، لاسيما وان المجتمع الغني يستطيع تحقيق منجزات، يصعب للشعوب الفقيرة تحقيقها، جراء عدم القدرة على تمويل، تلك المشاريع التنموية.

الرغبة الجامحة، ومواجهة الصعاب، والاقدام على المخاطرة، عناصر اساسية في العمل الحر، فالمجازفة تمثل المفتاح الاساس، للانطلاق نحو الابتكار، بمعنى اخر، فان اقتناص الفرص يمثل ”ملح“ العمل الحر، في مختلف القطاعات، فالفرص تمر مر السحاب، و”فوات الفرصة غصة“، وبالتالي فان وجود الجسارة امر بالغ الاهمية، في التجارة ”فاز باللذات من كان جسورا“.

كاتب صحفي