آخر تحديث: 27 / 3 / 2017م - 12:48 ص  بتوقيت مكة المكرمة

في علاقة التعليم بالوئام الاجتماعي

الدكتور توفيق السيف * صحيفة الشرق الأوسط

بداية العام الجديد تدعونا للتوقف قليلاً لتقييم ما شهدناه في العام المنصرم. لا رغبة في إدانة أحد، بل محاولة لفهم أسباب الفوضى الضاربة في المجتمعات العربية. وسوف أخصص هذه المساحة لبيان الحاجة إلى مراجعة الفلسفة العامة للتعليم، لا سيما ذلك الذي يتكفل بتشكيل ذهنية الطالب وهويته، أي مناهج العلوم الإنسانية.

لا ينتقل الناس من حال الوئام إلى الشقاق والتنازع، لأن سحرًا قد مسهم فغير طبائعهم وقلب أخلاقياتهم. لا تنعدم الثقة بين الناس، ولا تنبت العداوة في نفوسهم بين ليلة وضحاها. إنما تتفتح بذورها وتمتد جذورها على مدى زمني طويل، يدركه المتأمل بعيد النظر، الذي يرى نهاية المسار فور أن يضع الناس أقدامهم على أوله.

لطالما أثار إعجابي المستوى الرفيع للمناهج الدراسية في العراق وسوريا. لكن هذين البلدين بالتحديد، ابتليا في السنوات الماضية بصراع أهلي جسد الكراهية والتوحش على نحو نادر المثال. بطبيعة الحال ليس ثمة رابط بين جودة المناهج وتفاقم الكراهية. إنما العيب في المنهج الموازي الذي يربط الوطنية بالعدوان، ويقرن التفوق بالغلبة وهزيمة الآخر المختلف، ويصور التنافس الطبيعي على مصالح الدنيا، كحرب وجود بين أمتنا والأمم الأخرى.

مثل كل الأحزاب الشمولية، سعى حزب البعث الذي هيمن على السلطة في البلدين إلى إعادة كتابة التاريخ، من خلال تصوير الصراعات التي مرت على المنطقة، طوال القرون العشرة الماضية، كمحاولات أجنبية للقضاء على الأمة العربية. الهزائم صورت كمؤامرات، والانتصارات صورت كبراهين على تمايز الدم العربي عن غيره. وجرى تصوير العربي باعتباره شجاعًا وصادقًا وصاحب حق لا جدل فيه، والأجنبي طامعًا وجبانًا ومحتالاً. وجرى تصوير الدين باعتباره منتجًا قوميًا، يؤكد تمايز العرب وكونهم شهودًا على البشر كافة.

التضخيم المبالغ فيه للهوية القومية، استلزم التضحية بثلاث هويات، أولاها الهوية الدينية العامة التي تشكل رابطًا بين الفرد وسائر الناس وقناة لتفريغ الاحتقانات وتسكين الجراح. والثانية الهوية الوطنية التي تجمع العربي إلى مواطنيه غير العرب. وأخيرًا الهوية الفردية التي تشير إلى استقلال الإنسان وتمايزه، وكونه متحكمًا في مصيره الخاص.

تتماثل الآيديولوجيات السياسية الشمولية، في أنها جميعًا تسعى لصياغة هوية المواطن، على نحو يحوله من شخص طبيعي إلى جندي، في خدمة الأهداف الكبرى لتلك الآيديولوجية والنظام السياسي الذي تقيمه أو تدعو إليه.

ولهذا السبب فهي تعمل على تغييب العاطفة، وتحتقر المصالح الشخصية، وتركز على مثال الإنسان الذائب في الجماعة، الإنسان الذي ينسى مراداته الخاصة وحقوقه الفردية، وبالطبع حقوق الآخرين الفردية أيضًا.

لقد رأينا الآن عواقب هذه التربية. وجدير بنا أن نعيد توجيه التعليم العام على نحو يسمح لشبابنا بتشكيل شخصياتهم وفق ثقافة سياسية تفاعلية، يدرك صاحبها قيمة ذاته واستقلالها، كما يدرك في الوقت نفسه قيمة القانون والنظام الاجتماعي الذي يعيش فيه. ثقافة تدفع الفرد لإصلاح حياته والإسهام في إصلاح بيئته عبر القانون، وبالتعاون مع مواطنيه، وليس بالخروج على النظام العام وقسر الآخرين على اتباع مراداته.

لا يوجد كتاب عنوانه «كيف تتمرد على النظام الاجتماعي». لكن مضمون كتاب كهذا، قد يكون موزعًا في كثير من الكتب والمناهج والممارسات التعليمية، فضلاً عن التربية الاجتماعية. وهو يسهم في تشكيل شخصية انفعالية، تميل إلى الاتباع لا الإبداع. شخصية جاهزة دائمًا للولاء وتحويل الولاء بحسب الانفعالات والميول الظرفية.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.