آخر تحديث: 21 / 1 / 2017م - 12:13 ص  بتوقيت مكة المكرمة

ثلاث أمنيات على بوابة السنة الجديدة

ميرزا الخويلدي صحيفة الشرق الأوسط

كأن الزمن لم يتغير. ظلّ متسمرًا في «سفينة الحزن» التي لا ترحل، مهما لطمتها الأمواج، وعصفت بها الرياح. «سفينة الحزن» التي أصبحت عنوان مجموعة شعرية أصدرها الشاعر العراقي مظفر النواب في عام 1982، وحملت قصيدته الحزينة: «ثلاث أمنيات على بوابة السنة الجديدة».

الأمنيات هي الأمنيات، وكأن عجلة الزمان لا تتحرك!، بل قد تراجعت آمال الناس وأحلامهم التي كانوا يعلقونها على شجرة الميلاد، وأبواب السنة الجديدة. لا شيء سوى البحث عن ضفة ترسو عليها «سفينة الحزن» تلك، ف «يا دجلة الخير قد هانت مطامحنا حتى لأدنى طماحٍ غير مضمونِ».

هذا رثاء العاجز، الذي يشبه «عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ»، فما دمنا في سفينة الأحزان، يمكننا أن نتلو المراثي والبكائيات التي لا تنتهي، لكن هذا ليس حلاً، فالخراب الذي يلف العالم العربي، ويجعل الفرح فيه مستحيلاً، ليس قدرًا لا يُرد، بل هو نتيجة ما صنعته أيدينا، بالفعل أو بالعجز، وكفه وإصلاحه بيدنا، بالفعل أو بالقوة.

أولى أمنيات العام الجديد، أن يجد الناس فرصةً لنقد أنفسهم: ماذا فعلوا وما نتيجة أفعالهم. لا يكفي أن يرمي أحدنا الآخر بالمسؤولية، سنهدر وقتًا آخر للوصول إلى الطريق، الأفضل أن يبحث كل إنسان عن إهماله وتقصيره، فضلاً عن مساهمته بالقول أو بالعمل، بالفعل أو بالتشجيع فيما وصلنا إليه.

ثاني الأمنيات، أن يتوقف الجميع عن المساهمة مهما كانت بالقول أو بالعمل، في إشعال الفتن، والاحتراب، وإثارة الكراهية، والانقسام المجتمعي. لا يكفي أن نبكي على المآسي، ما دمنا مساهمين فيها. ولا يكفي التحذير من الفتنة ونحن نشعلها في بيوتنا وبين أهلينا.

الأمنية الثالثة، أن يكون لكل شخص مهما كان حجمه أو موقعه، دورٌ ومسؤولية في القيام بدور إيجابي، في حماية السلم الاجتماعي، وحماية الأوطان ومنع تمزيقها وتقسيم أهلها، ورفض الظلم والاعتداء على الأبرياء. لا يجوز تبرير أي عمل يخل بالأمن الاجتماعي أو يؤدي إلى إضعاف الدولة باعتبارها الضامنة للاستقرار، وفي الوقت نفسه تنبغي المساهمة في تعميم ثقافة السلام، والتسامح واحترام دماء الناس وحرياتهم وحقهم في التعبير.

خلال عشر سنوات، «الفترة من 580 - إلى 590 ميلادية» خاض العرب فيما بينهم أقذر أنواع الحروب، استحلت فيها الحرمات وانتهكت فيها المحارم، فيما عرف ب «حرب الفجار»، لكن قبائلهم توصلت بعدها إلى حلف «الفضول» «سنة 590 ميلادية» الذي شهده الرسول الكريم في شبابه وأثنى عليه، الحلف العربي الأول الذي ينتصر للمظلوم من الظالم، ويمنع الظالم القوي من الاحتماء بصمت النخبة التي ينتمي إليها.

لا ينبغي أن يهزمنا اليأس، فالطريق طويل، ولا بد أن نتمسك بالأمل، وبالحقّ بغدٍ أفضل. وبالمسؤولية تجاه ما يجري، وعدم الاكتفاء بالبكاء على الأطلال، أو رمي المسؤولية على الآخرين.. وبالثقة بقوتنا وقدرتنا على تجاوز هذه المحن. لا بد من إسهام فكري ومعرفي وثقافي واجتماعي في إطفاء تلك النيران، ومنع تمددها، وفي تعميم ثقافة التآخي والتسامح والمساواة، والحدّ من النعرات العصبية.

رحم الله الإمام الشافعي، حين يقول:

«نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيبٌ سوانا

ونهجو ذا الزمانَ بغير ذنب ولو نطق الزمان لنا هجانا»