آخر تحديث: 27 / 4 / 2017م - 9:05 ص  بتوقيت مكة المكرمة

ملتقى لمناقدة المراودات السينمائية

محمد العباس * صحيفة اليوم

الآن وقد صار لدينا ما يمكن أن نطلق عليه تجربة سينمائية يتحتم علينا مجادلة مجمل التجارب والمحاولات المثابرة بمعزل عن البكائيات المكرورة عن عدم وجود معهد عالي للفنون أو صالات عرض سينمائي أو رعاية مؤسساتية وتمويلية كفيلة بإنهاض حركة الانتاج السينمائي. لأن الأفلام المنتجة من قبل فئة من محبي السينما، المناضلين من أجلها صارت أمراً واقعاً. وعليه يمكن الجزم بوجود مادة فنية ثرية تستلزم المساءلة، وتقبل الاختلاف حولها وبها. أي محايثة الانتاج السينمائي في طور تشكُّله، والتحاور مع رموزه والجهات التي نذرت نفسها لتصعيده في مواجهة كل العراقيل التي كانت وما زالت تحد من ظهور حركة سينمائية بكل أبعادها النصّية والإخراجية والتمثيلية والتسويقية.

لا يمكن لأي منجز فني أن يتطور في عراء نقدي. وقد آن الأوان لملتقى نقدي تتبناه جهة معنية بالفنون. إذ يمكن أن تكون رسمية أو أهلية. تنطرح فيه كل القضايا المتعلقة بالصناعة السينمائية في السعودية سواء على مستوى الانجاز أو العوائق. إذ لا يمكن لأي حركة فنية أن تتطور وتزدهر من دون مناقدة. بحيث تقدم في الملتقى مجموعة من الأوراق المتأملة للمحطة التي وصلت إليها تلك المحاولات. وعرض مجموعة من الأفلام الحاصلة على جوائز مرموقة. حيث يمكن أن تخضع هذه الأفلام بدورها لقراءات نقدية مصاحبة أو حوارات مفتوحة من قبل المهتمين. كما يمكن فحص النصوص التي اتكأت عليها تلك المنظومة من المراودات الفنية وأهمية البحث عن مرجعيات نصّية يمكن أن ترفع من منسوب التفكير السينمائي. بمعنى تجسير الهوة ما بين النص الأدبي والأداء السينمائي.

قضايا فنية كثيرة وملحة يمكن مجادلتها في الملتقى إلى جانب القضايا التمويلية والحقوقية. حيث يمكن التعريف بالأسماء الفاعلة والمنجزات المنسية والآمال المؤجلة. كما يمكن لهذا الملتقى أن يكون البداية لتحريك المشهد باتجاهات فنية تحفيزية. واستظهار شخصية للحراك السينمائي. وكذلك سيؤدي حتماً إلى ظهور حركة نقدية سينمائية لها اعتبارها. تتجاوز ما نلاحظه من مراودات فردية أو مطالعات إعلامية مستعجلة. وأعتقد أن الوصول إلى هذا المبتغى ليس على تلك الدرجة من الصعوبة أو الاستحالة في ظل ذلك التوق الصريح لجعل السينما ليس جزءاً من الحركة الثقافية وحسب، بل جزءاً من المشهد الحياتي. وذلك من قبل فئة نذرت نفسها لتذليل كل العقبات وتجاوز الاحباطات، وذلك باستدخال السينما في النسيج الاجتماعي.

السينما اليوم في مشهدنا الثقافي والحياتي قضية جدلية كبرى على المستوى الاعلامي والاجتماعي. حيث يُنظر إليها من قبل المثقفين كمؤشر لارتفاع سقف الحرية باتجاه التحضُّر. وهي سجالات تتكثف حول ضرورة إنشاء صالات عرض سينمائية في المقام الأول. وهي مطالبات مشروعة وواعدة. ولكن تلك السجالات لا تقترب من المنجز السينمائي المحلي من الوجهة الفنية. كما توجد قطيعة صريحة ما بين تلك التجارب الشبابية وبين المثقفين باختلاف اهتماماتهم. كما أن معظم تلك الأفلام التي يتحدث الاعلام عن أهميتها لا تصل إلى الجمهور. سواء الروائية منها أو الأفلام القصيرة. وكأنها اشتغالات مقتصرة على فئة محدودة ومنغلقة على نفسها. وهو الأمر الذي يحتم انفتاح التجربة على الجمهور لاستقبال الآراء الكفيلة بتجويد تلك المحاولات وتطويرها. بحيث يكون الملتقى النقدي أحد عناوين ذلك الانفتاح ليؤدي كل ذلك إلى توطين السينما في الوجدان الجمعي. وأعتقد أن جهات كثيرة مؤهلة لترتيب هذا الملتقى.

لا يمكن التسليم بوجود حركة نقدية ناضجة بمقدورها محايثة تلك التجارب، ولكن يمكن الجزم بوجود أسماء تمتلك من الخبرات ما يكفي لأن تتحول إلى تيار نقدي مصاحب لسيرورة المنجز. وهي أسماء لا تقتصر خبرتها على الدراية بما ينتج محلياً من الأفلام، بل تستمد وهجها من خبرة بالسينما العالمية. كما يزدحم المشهد اليوم بكوكبة من خريجي الجامعات الغربية في الحقل السينمائي على كل المستويات. ولكنها أصوات تائهة لا تعرف مواطن الفعل السينمائي. ولا يوجد من يجمعها لتؤسس رؤيتها السينمائية. وعليه، أعيد التأكيد بأن الإعلان عن ملتقى نقدي حول التجارب والصناعة السينمائية في السعودية سيكون محطة مفصلية في التفكير السينمائي. حيث سيجد منتجو الأفلام أنفسهم أمام آراء علمية جادة، ومساءلات فنية محفزة. وسيجد كل مهتم بالسينما مكاناً له في ملتقى عنوانه النقد وجوهره حُبّ السينما.

ناقد وكاتب