آخر تحديث: 24 / 8 / 2017م - 12:16 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الأسرة والمدرسة تكامل لا تصادم

عباس المعيوف صحيفة الشرق

العلاقة بين الأسرة والمدرسة لابد أن تكون تكاملا لا تصادما، ومن المهم أن يدرك الأب أن البيئة المدرسية لأبنائه ناجحة ومهيأة ليس للتعليم وحده بل لتكريس وزرع القيم الأخلاقية والإنسانية في نفوسهم، ففي هذا العمر لا يدركون ولا يعون حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم ولا يميزون الكلمات السوقية من الحسنة إذا لم نطبع في عقولهم كتابا من قاموس الكلمات الطيبة حتى تصبح المناعة عندهم قوية ورادعة ضد الهجمات السلوكية الطارئة خارج محيط أسرهم وبالتالي من المهم المراقبة المستمرة والمتابعة الحثيثة لتضميد وضمور العلاقة حتى تصل إلى بر الأمان. إن قوة العلاقة من ضعفها لها دور أساسي ومحوري وتربوي وفكري في كل بناء فلسفة تربوية حديثة، إذ إن كل الاستراتيجيات التربوية والأطروحات السلوكية والبنائية تهدف في نهاية المطاف للاهتمام بخلق جيل واع منظم قادر على مواجهة الحياة وتسخيرها لصالحه وخيره.

ويبقى للمحيط الاجتماعي والتربوي والاقتصادي في البيت والمدرسة والحياة عموماً دور حاسم في رسم معالم شخصية الإنسان الناجح حيث إن هذه العلاقة المتوازنة بين البيت والمدرسة تؤدي للتوازن في النمو الانفعالي والعقلي والنفسي والصحي والاجتماعي في شخصية الطلاب التي هي نتاج تربية متواصلة وحية على أرض الواقع ولا شك أن دور المدرسة كبير عظيم ومؤثر ولا يقل أهمية عن الأسرة، حتى يكون أبناؤنا ركناً قوياً ودعامة فاعلة في بناء الوطن والحفاظ على مقدراته، الذي يتخذ من العلم والتربية وسيلة للوصول إلى القوة والمجد والتقدم والحضارة في هذا العصر الذي لا مكان فيه إلا للمتعلمين الأقوياء الذين يدركون حجم التحديات المقبلة.

ولهذا لابد من الإنصاف أن الأسرة الآن أمام تحديات كبيرة في ظل هذا الانفتاح والتأثير الإعلامي الذي اخترق كل بيت، وأصبح من الصعوبة بمكان التربية وفق ما نشاء نحن بل ما يشاء العالم الغربي، فلا ننسى أننا نملك موروثا دينيا وحضاريا يقوم سلوكنا وأخلاقنا وأفكارنا إذا استغل أفضل استغلال وفق ثقافة إسلامية وسطية لا تشدد ولا ميوعة.

واحدة من المعضلات السلوكية التي تواجه أبناءنا في المدارس هو اكتساب الألفاظ السوقية والمخالطة السيئة مع نماذج من شرائح المجتمع فلكل طالب وطالبة منهج سلوكي وفكري وثقافي وتربوي منها الإيجابي والسلبي. لذا يقع على المدرسة وعلى المرشد الطلابي بالتحديد دور كبير في تتبع وملاحقة من يروج هذه الكلمات الساقطة والبحث عن حلول سريعة لمعالجة المشكلة قبل أن تتفاقم وتكبر ويصعب بعد ذلك علاجها بل تصبح المدرسة بؤرة مؤثرة في صناعة الفساد الأخلاقي داخل المجتمع.

كما يلعب الإعلام دورا مهما في تشكيل عقول أبنائنا الطلبة فالساعات الطويلة التي يقضيها على الأجهزة الذكية والقنوات الرياضية وغيرها كفيلة بخلق قيم لربما مقبولة عند الغرب ومرفوضة عندنا، على سبيل المثال 90 % من طلاب المرحلة الابتدائية يشاهدون ويعشقون فريق برشلونة وريال مدريد ويشاهدون قلادة الصليب والوشم والقصات الغريبة والنساء الفاتنات على مدرج الملعب وهذا لاشك له تأثير نفسي عميق على التنشئة، وقس ذلك على ألعاب البلايستيشن وأفلام الأكشن.

طرحت قبل فترة في صفحتي بفيسبوك سؤالا في هذا المعنى وهو من المسؤول عن الألفاظ البذيئة عند الأطفال؟ «الأسرة، المدرسة، المجتمع» وكانت النتيجة كالتالي الأسرة 80 % المدرسة 10 % المجتمع 10 % ونلحظ من هذا التساؤل نتيجة وهي عدم متابعة الأسرة للأبناء ولذا ولدت عندهم اللبنة الأولى للكلمات البذيئة وترعرعت في بيئة ربما تكون غافلة فولدت اتحاد سوء. الأسرة هي المعول وهي الحاضنة الحقيقية لبناء الطفل ومتى ما أغفلت جانبا كان من السهل الاستغلال من خلال المدرسة أو المجتمع، وتعتبر القدوة السيئة بالأسرة، والمخالطة الفاسدة في الشارع أو المدرسة، ووسائل الإعلام أهم مصادر اكتساب هذه الألفاظ، وقد بينت إحدى الدراسات الأوروبية أن 80 % من الأطفال في سن المدرسة يتعرضون للألفاظ السيئة من زملائهم، كالسخرية بشكل مباشر والإهانات الكلامية، أو التهديد بالضرب. دون إبلاغ المرشد الطلابي وأولياء أمورهم بداعي الخوف وما نتج هذا الخوف إلا من السطوة والديكتاتورية التي هيمنت على كيان الأسرة.

ترى الكاتبة لحن الخلود أن الألفاظ والكلمات البذيئة ترجع للعاملين المهمين في «المدرسة والأسرة» فهما متى ما اجتمعا وتعاونا معاً حققا هدفاً جميلا للتربية الناجحة، بعكس لو تخلف أحدهما عن دوره يضيع الجيل ويتوه في دروبه ويخيّم عليه الجهل والفشل والتخلف، وتقول حنين الورد بعض المدرسين والمدرسات يتلفظون بألفاظ الطالب في عمره كله ما سمعها لا من أهله ولا من محيطه الاجتماعي وهذه حصلت معي بشكل شخصي لما كنت بالابتدائية وبعض الأهل قاموس متنقل من الألفاظ السوقية البذيئة بمعنى أن المدرسة والبيت شريان واحد متصل ببعضه بعضاً وكلاهما سريعا التأثير بالطفل وبسلوكه.

إذن العلاقة بين الأسرة والمدرسة يجب أن تكون تكاملية لا تصادمية، كما لابد من فتح قنوات اتصال مستمرة لمتابعة الطالب والطالبة سلوكياً ودراسياً، ومتى ما انخفض المستوى التعليمي وتدنى مستوى الوعي التربوي للأسرة في التربية أصبحت العلاقة متضعضعة وسهلة الاختراق والتوتر بين الجانبين هذا من جانب، ومن جانب ثان يجب على المدرسة الحرص على تطوير العلاقة بينها وبين أسر الطلبة وأن تكون الغاية بناء إنسان صالح يخدم دينه ووطنه.