آخر تحديث: 18 / 1 / 2017م - 3:26 م  بتوقيت مكة المكرمة

ثقافة الاقصاء

محمد أحمد التاروتي *

تتعدد اساليب الاقصاء، في مختلف المجتمعات، تبعا للثقافة السائدة، اذ تبدأ بحيك الدسائس، واختلاق الاكاذيب، ونشر الاخبار المضللة، لا تنتهي بالاستفراد بالساحة، والتحرك بحرية دون منافسة، بل قد تصل الى التصفية الجسدية، بطرق مختلفة، خصوصا وان البعض لا يتورع، عن ارتكاب مختلف الجرائم، في سبيل الوصول الى الهدف، فالاخلاق توضع في ”الثلاجة“ لفترة زمنية، الامر الذي يفسر عمليات الاغتيال، باعتبارها الوسيلة الاكثر قدرة، على اسكات الاصوات المنافسة، لاسيما وان البعض من الاطراف المنافسة، يرفض السكوت، او الانزواء وراء الجدران.

الثقافة الرافضة لمبدأ التعدد، وفتح الطريق امام التعبير للاطراف الاخرى، تمثل احد المرتكزات الرئيسية، في انتهاج ”الاقصاء“، اذ تمثل سياسة ”انا من خلفي الطوفان“، منهجا ثابتا لدى الاطراف الداعمة، للتنكيل بالمنافسين، فهذه العقلية لا تقتصر على الممارسة السياسية، بل تشمل كذلك البيئة الثقافية، في بعض المجتمعات، فالبعض يسعى يتحرك من مبدأ ”الحسد“، او الخشية من فقدان الاضواء الاعلامية، مما يدفعه لارتكاب ممارسات، لا تمت للشعارات البراقة، التي يرفعها بصلة، ومنها ”حرية التعبير“، و”اختلاف الرأي لا يفسد في الود قضية“ وغيرها من العبارات الهادفة، للتسويق الاعلامي فقط.

القدرة على اسكات الاصوات، ليست مستمرة، فهذه السياسة سلاح ذو حدين، اذ يمكن تشكل بداية النهاية، للاطراف الممارسة، خصوصا وان الزمن كفيل، باماطة اللثام على الاسرار والخفايا، التي صاحبت عملية ”الاقصاء“، كما ان هذه السياسة تمثل خطورة كبيرة، على التطور الثقافي في المجتمع، بمعنى اخر، فان الحراك الثقافي القائم على الاختلاف، يمثل قاعدة اساسية، للانطلاق نحو افاق واسعة، بينما يمثل الانغلاق الفكري عاملا اساسيا، في ابقاء التخلف في المجتمع، فالامم على اختلافها تحقق الانجازات، بواسطة اتاحة المناخ للحرية الفكرية، والاختلاف الثقافي.

توفير البيئة المناسبة، لاستيعاب الاصوات المنافسة، والقضاء على ”الاقصاء“، بمختلف مستوياته الفكرية، والسياسية، والاجتماعية، تتطلب بناء منظومة ثقافية، قادرة على التفهم، وادراك اهمية وجود اصوات مغايرة، فالتحرك وفق ”سوء النية“، يقود الى ارتكاب ممارسة غير محمودة، تجاه الطرف المقابل، مما ينعكس بصورة مباشرة، على بروز حروب كلامية ضارية، بحيث تتطور بشكل دراماتيكي، مع الزمن لتصل الى الممارسة ”الاقصائية“، عبر اسكات كافة الوسائل، التي تعبر عن تلك الاطراف، مقابل ابقاء الاصوات المناصرة، والمؤدية، دون منافس على الارض.

سجل التاريخ القديم، وكذلك العصر الحديث، ممارسات متعددة، فيما يتعلق ب ”الاقصاء“، اذ عمدت الكنيسة ابان سطوتها، في اوروبا لنصب المقاصل، لتنفيذ الاعدام بالعلماء، تحت ذرائع متعددة، فالكنيسة اتخذت هذه الطريقة، وسيلة للقضاء، على جذوة العلم، التي بدأت تبرز لتبديد حقبة الظلام، المتمثلة في سيطرة الكنيسة، على القرار الثقافي، والسياسي، في المجتمعات الاوروبية، كما ان العالم الاسلامي، شهد الكثير من الممارسات الوحشية، تجاه العلماء، الامر الذي تمثل في احراق الكثير، من الكتب تحت ذريعة ”الكفريات“، وغيرها من المسميات المتعددة.

كاتب صحفي