آخر تحديث: 25 / 6 / 2017م - 4:43 م  بتوقيت مكة المكرمة

تحدي الضاد!

سلمى بوخمسين صحيفة الشرق

هل سمعتم قط عن فيتامين «ل»! إنه فيتامين مهم جداً للسلامة العقلية والنفسية بل والجسدية أيضاً، وخصوصاً للأطفال، الغريب بشأن هذا الفيتامين أن من اكتشفه هم التربويون وليس الأطباء أو اختصاصيي التغذية. أيها السيدات والسادة إن فيتامين «ل» هذا ماهو إلا استخدام كلمة لا وعدم إجابة كل مايطلب منك، وبالنسبة للمربين من أمهات وآباء هو عدم تلبيتك لكل مطالب أبنائك والإفراط في تدليلهم تحت بند توفير حياة أفضل من تلك التي عشتها. إن أعراض نقص الفيتامين «ل» خطيرة جداً وبعضها يسبب عاهات مستديمة، فحين لا تستخدم «ل» في تربيتك لن تخلق أطفالاً مدللين فحسب بل منفصلين عن صورة الحياة الواقعية التي لا يحصل كل منا فيها على مايريد طول الوقت. لن يشعر هؤلاء الأطفال بقيمة الأشياء ولن يقدموا الامتنان أو الشكر فقد حصلوا عليها بكل سهولة. لن يعرفوا قيمة المال والتملك، وقد يعجزون حتى عن احترام القوانين لأنهم اعتادوا على مخالفتها كما يناسبهم. في المقابل فإن الإفراط في تعاطي هذا الفيتامين له مضار خطيرة أيضاً، السر يكمن دائماً في التوازن لا إفراط ولا تفريط.

قبل شهر كنت قد استنفدت الكمية المسموح بها من فيتامين «ل» وكان علي أن أستجيب لطلب أطفالي فأشتري لهم اللعبة التي انتظروها طويلاً، حينها وافقت على شرائها لكن بمقابل وهو قانون تربوي مهم آخر، ففي الحياة لاشيء يمنح مجاناً! بالطبع يتنوع هذا المقابل مابين المادي المكتسب من مشاريع صغيرة مثلاً أو من الادخار «تأسيساً لثقافة مالية مبكرة» وبين المعنوي أي التحديات والألعاب التي تخلق وسطاً تعليمياً ممتعاً على طريقة المنتسوري المعروفة. كان يوم اللغة العربية قريباً فاخترت لهم تحدياً من شأنه أن يختبر مهاراتهم اللغوية ومعلوماتهم عن إرثهم الحضاري. التحدي يقتضي صياماً تاماً عن استخدام اللهجة الدارجة أو أي مفردات من لغات أجنبية للتخاطب منذ الصباح وحتى غياب الشمس. وبالطبع من يلتزم بهذه الشروط الصعبة سيحصل أخيراً على اللعبة. بدأنا اللعب ونيتي منصبة على التعليم لكن ماحدث كان أكثر من ذلك بكثير فبيئة التنافس بيئة ثرية تكشف عما لا يكشفه سواها. منذ البداية وبعد الأخطاء الأولى التي كان من شأنها أن تنهي اللعبة مبكراً أبدع صغيراي في طرح اقتراحات تنقذهم وتمنحهم فرصاً إضافية بل وافترضوا أن لكل لاعب ثلاث أرواح كما جرت عليه عادة الألعاب الإلكترونية، وكلما اقتضت الحاجة لجأا لسن قوانين جديدة. كنت استمع لاقتراحاتهم بشهية مفتوحة وهما يتناقشان حول كل قانون جديد وأبعاده، مع الوقت والتجربة أدركا أهمية القوانين أكثر وأكثر واستوعبا تماماً أنها في أحيان كثيرة تكون طريق السلامة الوحيد، وأنك ستعجز عن التقدم دونها. من الناحية الأخرى كانا يحاولان تصيد أخطاء بعضهما بعضاً بل واستدراج بعضهما للوقوع في الخطأ، كان بديهياً جداً لهما أن على خصمك أن يخسر كي تربح أنت!! عجيب من أين لهما هذا، فأنا لم أنص على أن هناك فائزاً واحداً لهذه المنافسة بل إنها ليست منافسة أساساً!

وقفة صمت طويلة جعلتني أراجع كل مناهل المعرفة التي تحيط بهما والتي اتفقت على تغذية حس الأنانية وتعزيز مبدأ الارتقاء فوق أنقاض الآخرين، المبدأ الذي قتل روح المنافسة الشريفة واستبدلها بقوانين الغاب. حينها ولأنتزع تلك المفاهيم كان علي أن أغير قوانين اللعبة فإما أن ننجح معاً أو لن ينجح أحد، سأمنح الحصانة لمن يساعد الآخر على تجنب الخطأ، وكما سيحصلان على نقط إضافية إن تعاونا في حفظ أسماء شعراء المعلقات مثلاً أو جمع مايقدران من معلومات عن سيبويه أو ابن مالك. انتهت ساعات اللعبة التي ظننت أنها ستكون تعليميةً فقط فوجدتها فرصة تربوية فذة كشفت لي عن خبايا نفوس أطفالي وساعدتني على غرس بعض المفاهيم الجديدة علها تزهر يوماً ما، فيفهمان مثلاً أن طريق النجاح يسع الجميع، وأنه لن ينفع أن يتعثر الآخرون المهم أن يتقدما هما، ليركزا في مسارهما ويساعدا حين يستطيعان فلن تتقدم أمة يقبع أكثر أبنائها في المؤخرة.